‏إظهار الرسائل ذات التسميات قراءات عقيدية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قراءات عقيدية. إظهار كافة الرسائل

السبت، 14 يوليو 2012

سألني أحمد: لماذا خلق الله الإنسان؟

ضمن حوار اليكتروني جميل دار بيني وبين أحد الأصدقاء المسلمين، أرسل إلي صديقي أحمد منصور السؤال التالي:



لماذا خلق الله الخليقة بالذات الإنسان؟ لماذا ابتدأ حياة دون حياته؟ بم تجيب؟



فكان ردي الذي ارسلته إليه كالآتي:


لأن "اللهَ مَحَبَّةٌ"(1 يوحنا 8:4)، أي أن طبيعته محبة، من الطبيعي له أن "يحب"؛ فكما أن مجد ينبوع الماء أن يفيض ويروي ما حوله، مجد ينبوع المحبة الإلهية أن تفيض على خليقة تكون موضوع تلك المحبة! فكان أن خلق الله الإنسان ليكون موضوعاً لتلك المحبة الإلهية وشريكاً فيها. كما يقول الله في الكتاب المقدس مخاطباً الإنسان: "مَحَبَّةً أَبَدِيَّةً أَحْبَبْتُكِ" (إرميا 3:31)، أي أن محبة الله لإنسان "أبدية" من أبدية الله وليست مرتبطة فقط بنشوء الإنسان – لأن "الله محبة." وإلى هذا المعنى يذهب ما يُقال في صلوات القداس:


الذي من أجل الصلاح وحده، مما لم يكن كونت الانسان.
ليس شئ من النطق يستطيع أن يحد لجة محبتك للبشر. خلقتنى إنساناً كمحب للبشر، من أجل تعطفاتك الجزيلة كونتني إذ لم أكن. لم تدعني معوزاً شيئاً من أعمال كرامتك. أنت الذي جبلتني. ووضعت يدك علي. وكتبت في صورة سلطانك.


ومن فيض محبة الله الغير محدودة، أنه خلق الإنسان في أقرب حالة إليه ، ما خلا – قطعاً – الخصال الإلهية المطلقة. لذا يقول الله في الكتاب المقدس عن خلقته للإنسان: "نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا" (تكوين 26:1)، و "تَنْقُصَهُ قَلِيلاً عَنِ الْمَلاَئِكَةِ، وَبِمَجْدٍ وَبَهَاءٍ تُكَلِّلُهُ. تُسَلِّطُهُ عَلَى أَعْمَالِ يَدَيْكَ. جَعَلْتَ كُلَّ شَيْءٍ تَحْتَ قَدَمَيْهِ" (مزمور 5:8-6). فالمحبة "لاَ تَحْسِدُ. الْمَحَبَّةُ لاَ تَتَفَاخَرُ، وَلاَ تَنْتَفِخُ" (1 كورنثوس 4:13)، لذا لم يتحرج الله، المحبة، أن يبتدئ حياة دون حياته، بل وتكون تلك الحياة على صورته كشبهه، مجيدة متوجة بالبهاء ومتسلطة – بمجد وبهاء ينبعان من الله ذاته الذي هو مصدر وأساس ومنبع حياة الإنسان – على الخليقة بأسرها! فليس في ذلك تقليلاً من ذاته ولا جرحاً لعزته و جلالته. فالمحبة – التي هي طبيعة الله – لا تعرف التفاخر والانتفاخ والذاتية.


وقد يعترض معترض بأن كون الإنسان موضوع محبة الله يجعل الله محتاجاً للإنسان! وحاشا لله أن يكون محتاجاً إلى خليقة تكمله! وهو اعتراض في محله، لمن لا يعرف المفهوم المسيحي لطبيعة الله. وهو يعود بنا مرة أخرى إلى الآية القائلة بأن الله محبة. فتلك العبارة هي تقرير لطبيعة الله! فليست المحبة صفة يتصف بها الله، إنما هي طبيعته.


فبما أن الله محبة بطبيعته، يستوجب الكمال الإلهي أن يكون في طبيعة الله "المحب" و"المحبوب" في آن؛ وهذا مدلول قول الكتاب المقدس:


  • "هذَا هُوَ ابْني الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ" (متى 17:3) (أقنوم الآب متحدثاً عن أقنوم الإبن)
  • "كَمَا أَحَبَّنِي الآبُ كَذلِكَ أَحْبَبْتُكُمْ أَنَا. اُثْبُتُوا فِي مَحَبَّتِي.‏ إِنْ حَفِظْتُمْ وَصَايَايَ تَثْبُتُونَ فِي مَحَبَّتِي، كَمَا أَنِّي أَنَا قَدْ حَفِظْتُ وَصَايَا أَبِي وَأَثْبُتُ فِي مَحَبَّتِهِ" (يوحنا 9:15-10) (المسيح، أقنوم الابن، محدثاً المسيحيين)
  • "‏وَالآنَ مَجِّدْنِي أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ عِنْدَ ذَاتِكَ بِالْمَجْدِ الَّذِي كَانَ لِي عِنْدَكَ قَبْلَ كَوْنِ الْعَالَمِ. قَدْ أَعْطَيْتُهُمُ الْمَجْدَ الَّذِي أَعْطَيْتَنِي، لِيَكُونُوا وَاحِدًا كَمَا أَنَّنَا نَحْنُ وَاحِدٌ. أَنَا فِيهِمْ وَأَنْتَ فِيَّ لِيَكُونُوا مُكَمَّلِينَ إِلَى وَاحِدٍ، وَلِيَعْلَمَ الْعَالَمُ أَنَّكَ أَرْسَلْتَنِي، وَأَحْبَبْتَهُمْ كَمَا أَحْبَبْتَنِي. أَيُّهَا الآبُ أُرِيدُ أَنَّ هؤُلاَءِ الَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي يَكُونُونَ مَعِي حَيْثُ أَكُونُ أَنَا، لِيَنْظُرُوا مَجْدِي الَّذِي أَعْطَيْتَنِي، لأَنَّكَ أَحْبَبْتَنِي قَبْلَ إِنْشَاءِ الْعَالَمِ" (يوحنا 5:17، 22-24) (المسيح، أقنوم الابن محدثاً أقنوم الآب)



وهذا لب عقيدة الثالوث والوحدانية: المحبة توحد الأقانيم ثالوثاً في إله واحد وإلهاً واحداً في ثالوث. فالثالوث ضرورة للكمال الإلهي، إذ أن الله الكامل هو في طبيعته محبة وموضوع تلك المحبة (الإله الواحد في الثالوث)، وتلك المحبة هي التي تخلق الإنسان.


ومن هنا كان اختلاف وتميز المفهوم المسيحي للمحبة، وتمحور العقيدة و "أخلاقياتها" حول المحبة. فلم تعد المحبة عاطفة أو سمواً أخلاقياً – المحبة الحقة هي طبيعة الله، محبة معطية حياة، لا يمنحها إلا الله ولا تتحقق إلا من خلاله، لذا كانت المحبة من ثمار الروح القدس (غلاطية 22:5)، وكان الربط: "أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، لِنُحِبَّ بَعْضُنَا بَعْضًا، لأَنَّ الْمَحَبَّةَ هِيَ مِنَ اللهِ، وَكُلُّ مَنْ يُحِبُّ فَقَدْ وُلِدَ مِنَ اللهِ وَيَعْرِفُ اللهَ.‏ وَمَنْ لاَ يُحِبُّ لَمْ يَعْرِفِ اللهَ، لأَنَّ اللهَ مَحَبَّةٌ" (1 يوحنا 7:4-8).



الأربعاء، 25 أبريل 2012

مفهوم الوحي في الإيمان المسيحي - مقدمة



كُلُّ الْكِتَابِ هُوَ مُوحًى بِهِ مِنَ اللهِ theopneustos ، وَنَافِعٌ لِلتَّعْلِيمِ وَالتَّوْبِيخِ، لِلتَّقْوِيمِ وَالتَّأْدِيبِ الَّذِي فِي الْبِرِّ.
(2 تيموثاوس 16:3)



هي كلمة فريدة تلك التي تُرجِمَت إلى "مُوحًى بِهِ مِنَ اللهِ"، أو God-breathed في بعض الترجمات الإنجليزية. لم تَرِد كلمة theopneustos في أي موضع في العهد الجديد إلا في هذه الآية، بل إن استخدامها حتى في الأدبيات اليونانية نادر جداً. فهي كلمة شديدة التخصيص ركَّبَها بولس الرسول تحت إرشاد الروح القدس لتوصيف طبيعة الوحي في الإيمان المسيحي.


اشتقاق الكلمة هو من ثلاثة أجزاء:
  1. Theo، من الأصل theos، أي الله\إله.
  2. Pneus، من الأصل pneo، أي "يتنَفَّس" أو "ينفخ". جدير بالذكر أن pneo هي أصل كلمة pneuma، أي "نَفَسٌ" أو "ريحٌ"، وهي الكلمة ذاتها التي تُطلق على الأقنوم الثالث في الله الواحد، الروح القدس.
  3. Tos، والتي تأتي في نهاية الكلمة لنسبة الفعل إلى فاعله.
لزيادة الإيضاح للقارئ، نذكر من التركيبات الشبيهة في العهد الجديد كلمة theodidaktoi الواردة في (1 تسالونيكي 9:4) "وَأَمَّا الْمَحَبَّةُ الأَخَوِيَّةُ فَلاَ حَاجَةَ لَكُمْ أَنْ أَكْتُبَ إِلَيْكُمْ عَنْهَا، لأَنَّكُمْ أَنْفُسَكُمْ مُتَعَلِّمُونَ مِنَ اللهِ أَنْ يُحِبَّ بَعْضُكُمْ بَعْضًا". فالمقطع didak من الأصل didache أي تعليم.



عَالِمِينَ هذَا أَوَّلاً: أَنَّ كُلَّ نُبُوَّةِ الْكِتَابِ لَيْسَتْ مِنْ تَفْسِيرٍ خَاصٍّ. لأَنَّهُ لَمْ تَأْتِ نُبُوَّةٌ قَطُّ بِمَشِيئَةِ إِنْسَانٍ، بَلْ تَكَلَّمَ أُنَاسُ اللهِ الْقِدِّيسُونَ مَسُوقِينَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ.‏
(2 بطرس 20:1-21)



كلمة "مَسُوقِينَ" هنا أصلها في اليونانية pheromenoi اشتقاقاً من phero أي "يَحْمِلُ"، وتُستَخدَم لوصف السفينة التي "تسوقها" الريح على سطح المياه. فالقديسون كُتَّاب الوحي فردوا أشرعة عقولهم  وقلوبهم وفكرهم، فوجههم الروح القدس كيفما يريد للتعبير عن الحق الإلهي.



ننطلق مما سبق إلى القاعدة الرئيسية في فهمنا للوحي المسيحي:


الوحي المسيحي هو إلهام Inspiration وليس إملاء  Dictationكالفهم الإسلامي للوحي!



لا يعرف الإيمان المسيحي الوحي بمعنى أن يكون الكاتب في حالة من غياب الوعي، بحيث تُلغى تماماً القدرات البشرية. فالبشر ينقلون الكلمة التي هي صوت الله؛ الكتاب المقدس هو كلمة الله بلغة بشرية، الله يتكلم مع الإنسان ولكن الإنسان هو مَن يفهم ويكتب! الإلهام الإلهي لا يلغي العنصر البشري، وما هو بشري لا ينمحي بالوحي الإلهي، لكنه يتجلى transfigured. العنصر البشري في الوحي هو بشر لا ينطبق عليه، قطعاً، الكمال الإلهي. الكتاب المقدس ليس كتاباً بشرياً، وهو أيضاً ليس كتاباً إلهياً فقط! الإلهي والبشري متداخلان فيه، وليس لنا أن نظن أن ذات الشخص الذي يكتب قد تعطلت تماماً حين كان يوحى إليه ليكتب عن الإعلان الذي تسلمه من الله. رسالة الكاتب دائماً لها علاقة بفكره ونظرته، والصورة التي يقدمها للرسالة مشتقة من نسيجه ووصفه.



فالروح القدس الذي أعلن الحق لكُتَّاب الوحي إختار من مفردات الكاتب اللغوية الكلمات المناسبة، والتي اقتنع بها الكاتب بالكامل، ليعطي المؤمنين الحق الدقيق الذي أعلنه الله. الروح القدس استخدم الكُتَّاب كما وجدهم، وعصمهم من الخطأ في إعلان الحق الإلهي. مثلاً، استخدم الروح القدس يونانية لوقا الجميلة النقية، ويونانية بولس المُرَكَّبة الصعبة، ويونانية يوحنا السهلة البسيطة، وكانت اللغة في كل الحالات سليمة وكافية لإعلان الحق الإلهي المراد إعلانه. 


الروح القدس هو فوق اللغة، ومع ذلك لدينا في النصوص الأصلية لمخطوطات الكتاب المقدس (العبرية واليونانية) الألفاظ نفسها التي علَّمها الله للكتاب وهم يسجلون الحق المعلن لهم. لقد بحث كل كاتب من كُتَّاب الأناجيل، تحت قيادة الروح القدس، في حصيلة مفرداته وثقافته ليجد الألفاظ المناسبة والدقيقة للتعبير عن الحق المراد تسجيله، فرفض كل كلمة أراه الروح القدس أنها ليست معبرة عن الفكرة بالدقة المطلوبة، حتى استقر على الكلمة التي قادها إليه الروح القدس وختم عليها بالموافقة. هكذا يسمح الروح القدس أن يتحرك الكاتب بحرية وهو يكتب داخل إطار شخصيته ومفرداته وثقافته، بينما يقوده في الوقت عينه ليدون تسجيلاً معصوماً للحق المعصوم المُعلَن له!



الله يعلن عن ذاته ليس في كتاب إنما في شخص. وإيماننا أن كمال إعلان الله لذاته هو يسوع المسيح، وهو شخص لا كتاب! "اَللهُ، بَعْدَ مَا كَلَّمَ الآبَاءَ بِالأَنْبِيَاءِ قَدِيمًا، بِأَنْوَاعٍ وَطُرُق كَثِيرَةٍ، كَلَّمَنَا فِي هذِهِ الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ فِي ابْنِهِ" (عبرانيين 1:1). ولأن البشر لم يستطيعوا أن يفهموا بالكامل طبيعة الله، في الخليقة من حولهم، في أحداث التاريخ، في الضمير البشري، أتى الله إلينا في الجسد في يسوع المسيح. والروح القدس (الذي أوحى بالأسفار) لا يفارق الكنيسة، بل عمله ممتد، فبالأسفار المقدسة وبشهادة الكنيسة يعلن الروح القدس الحق الإلهي الكامل: شخص يسوع المسيح نفسه، الذي قال: "أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ" (يوحنا 6:14). في إيماننا المسيحي، معيار الحق المُعلَن من الله هو يسوع المسيح، وعليه نقيس إعلانات الماضي والحاضر والمستقبل. مرجعنا الآن شخص حي، وليس كتاباً!


+++


مراجع الدراسة:

  1.      القمص بنيامين مرجان باسيلي، تفسير رسالة القديس بطرس الثانية والقديس يهوذا، كنيسة مارمرقس الرسول بالجيزة، 2007
  2.  Greek Interlinear Bible (هنا)
  3. New Testament Greek Lexicon (هنا)


الخميس، 2 فبراير 2012

ليس موت لعبيدك بل هو انتقال: "الموت والحياة الاخرى" من منظور مسيحي


ليست هذه الرسالة مرثية او نعياً، انما هي وليدة خبرة حقيقية، خبرة رحيل مفاجئ لاحباء ومعارف في ريعان الشباب. هي محاولة جاهدة للبحث عن معانٍ اعمق وراء تلك الوفيات وشبيهاتها. لا اقدم نظرة شخصية وتأملات وجدانية نفسية، انما اجابات كتابية لأسئلة دارت بمخيلتي. ليست هذه الرسالة تفسيراً لتلك الوفيات، ولا هي كعبارات محفوظة نرددها مثل "هذه ارادة الله" و"هم في مكان افضل"... انما هي نظرة باحثة جدية الى ما يقدمه الايمان المسيحي فيما يتعلق بالانتقال والحياة بعده.


+++


لا يعرف الايمان المسيحي "الموت" بالمفهوم الذي يتفق عليه بقية العالم. فتقول اوشية الراقدين (حسب طقس الكنيسة القبطية الارثوذوكسية): لا يكونُ موتٌ لعبيدكَ بل هو انتقال. اذاً ليست مفارقة الروح للجسد نهاية، بل هي انتقال من حالة لأخرى، ومن نطاق لآخر. اما الموت والحياة في الاصطلاح المسيحي، فلهما مدلولان مختلفان تماماً عن مدلول العالم لهما.


الحياة والموت في اصطلاح الايمان المسيحي


قلما يتحدث الايمان المسيحي عن الحياة كتلك الحالة البيولوجية التي تبدأ بالولادة وتنتهي بتوقف وظائف القلب وانخماد النشاط الكهربي للمخ – تلك التي نشترك فيها مع المخلوقات غير العاقلة.
  • الحياة، في مفهومها الكتابي، هي شخص الهنا المسيح له المجد، اذ قال: أَنَا هُوَ الْقِيَامَةُ وَالْحَيَاةُ (يوحنا 25:11).
  •  كذلك الموت، هو انفصال الطبيعة البشرية عن مصدر حياتها، عن الله خالقها، باختيار محاولة الحياة دونه، فيصير البشر أَمْوَاتًا بِالذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا (افسس 1:2)؛ حيث ان الْخَطِيَّةَ إِذَا كَمَلَتْ تُنْتِجُ مَوْتًا (يعقوب 15:1).




فقط باتحاد المسيح بطبيعتنا البشرية في التجسد الالهي، عادت الطبيعة البشرية الى حالتها الأصلية التي ارادها لها التدبير الالهي منذ بدء الوجود:


مُبَارَكٌ اللهُ أَبُو رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي بَارَكَنَا بِكُلِّ بَرَكَةٍ رُوحِيَّةٍ فِي السَّمَاوِيَّاتِ فِي الْمَسِيحِ، كَمَا اخْتَارَنَا فِيهِ قَبْلَ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ، لِنَكُونَ قِدِّيسِينَ وَبِلاَ لَوْمٍ قُدَّامَهُ فِي الْمَحَبَّةِ، إِذْ سَبَقَ فَعَيَّنَنَا لِلتَّبَنِّي بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ لِنَفْسِهِ، حَسَبَ مَسَرَّةِ مَشِيئَتِهِ. الَّذِي فِيهِ أَيْضًا نِلْنَا نَصِيبًا، مُعَيَّنِينَ سَابِقًا حَسَبَ قَصْدِ الَّذِي يَعْمَلُ كُلَّ شَيْءٍ حَسَبَ رَأْيِ مَشِيئَتِهِ.
(افسس 3:1-11)


فالمسيح قد صَنَعَ بِنَفْسِهِ تَطْهِيرًا لِخَطَايَانَا (عبرانيين 3:1)، إِذًا إِنْ كَانَ أَحَدٌ فِي الْمَسِيحِ فَهُوَ خَلِيقَةٌ جَدِيدَةٌ. إِنَّ اللهَ كَانَ فِي الْمَسِيحِ مُصَالِحًا الْعَالَمَ لِنَفْسِهِ، غَيْرَ حَاسِبٍ لَهُمْ خَطَايَاهُمْ، وَوَاضِعًا فِينَا كَلِمَةَ الْمُصَالَحَةِ. ‏لأَنَّهُ جَعَلَ الَّذِي لَمْ يَعْرِفْ خَطِيَّةً، خَطِيَّةً لأَجْلِنَا، لِنَصِيرَ نَحْنُ بِرَّ اللهِ فِيهِ (2 كورنثوس 17:5-21).


وهو المعنى الذي تذهب اليه ايضاً ثيؤوطوكية الجمعة:


اخذ الذي لنا، واعطانا الذي له.


من جديد تحقق في الانسان قول مُرَنِم المزامير: بِمَجْدٍ وَبَهَاءٍ تُكَلِّلُهُ (مزمور 5:8)، وعادت السماء تقول عن الطبيعة البشرية المحمولة في شخص المسيح: هذَا هُوَ ابْني الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ (متى 17:4)!


فمنذ اتحاد المسيح بطبيعتنا، صار هو مدخلنا لمعرفة الآب من جديد، كما كشف لنا رب المجد: أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ. لَيْسَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَى الآبِ إِلاَّ بِي (يوحنا 6:14)، فاتيحت لنا الحياة الابدية؛ وَهذِهِ هِيَ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ: أَنْ يَعْرِفُوكَ أَنْتَ الإِلهَ الْحَقِيقِيَّ وَحْدَكَ وَيَسُوعَ الْمَسِيحَ الَّذِي أَرْسَلْتَهُ (يوحنا 3:17). ولأن اتحاد المسيح بنا (أَنَا فِي أَبِي، وَأَنْتُمْ فِيَّ، وَأَنَا فِيكُمْ (يوحنا 20:14)) غير مفترق لحظة واحدة ولا طرفة عين (الاعتراف – القداس الباسيلي)، نثق في داوم وثبات واستمرار وعد المسيح بالحياة التي اتاحها لنا: إِنِّي أَنَا حَيٌّ فَأَنْتُمْ سَتَحْيَوْنَ (يوحنا 19:14)، فنصلي في الافخاريستيا: فلتحيا نفوسنا بروحك القدوس ولا يقوى علينا نحن عبيدك موت الخطية (اوشية السلام – القداس الباسيلي). ولأننا في المسيح، وهو حجر زاوية رجائنا بل كياننا، كانت كلمات الرسول بولس عن شخص المسيح رسالة طمأنة وتثبيت لنا نحن، حين كتب: عَالِمِينَ أَنَّ الْمَسِيحَ بَعْدَمَا أُقِيمَ مِنَ الأَمْوَاتِ لاَ يَمُوتُ أَيْضًا. لاَ يَسُودُ عَلَيْهِ الْمَوْتُ بَعْدُ (رومية 9:6).


ولأن الحياة الأبدية هي معرفة الله، ومعرفة الله هي خبرة متجددة نامية دوماً، كما وصف المسيح: عَرَّفْتُهُمُ اسْمَكَ (ايها الآب) وَسَأُعَرِّفُهُمْ (يوحنا 25:17-26)، فالحياة الأبدية تبدأ هنا، من لحظة اول معرفة لي بالمسيح، وتستمر طوال حياتي على الأرض، حسبما يكشف لي المسيح بعمل روحه القدوس: أَمَّا الْمُعَزِّي، الرُّوحُ الْقُدُسُ، الَّذِي سَيُرْسِلُهُ الآبُ بِاسْمِي، فَهُوَ يُعَلِّمُكُمْ كُلَّ شَيْءٍ، وَيُذَكِّرُكُمْ بِكُلِّ مَا قُلْتُهُ لَكُمْ. ‏وَأَمَّا رُوحُ الْحَقِّ، فَهُوَ يُرْشِدُكُمْ إِلَى جَمِيعِ الْحَقِّ. ذَاكَ يُمَجِّدُنِي، لأَنَّهُ يَأْخُذُ مِمَّا لِي وَيُخْبِرُكُمْ. كُلُّ مَا لِلآبِ هُوَ لِي. لِهذَا قُلْتُ إِنَّهُ يَأْخُذُ مِمَّا لِي وَيُخْبِرُكُمْ (يوحنا 26:14 و13:16-15).


كل ما سبق اجمله رب المجد قائلاً: اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَنْ يَسْمَعُ كَلاَمِي وَيُؤْمِنُ بِالَّذِي أَرْسَلَنِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَلاَ يَأْتِي إِلَى دَيْنُونَةٍ، بَلْ قَدِ انْتَقَلَ مِنَ الْمَوْتِ إِلَى الْحَيَاةِ. اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ تَأْتِي سَاعَةٌ وَهِيَ الآنَ، حِينَ يَسْمَعُ الأَمْوَاتُ صَوْتَ ابْنِ اللهِ، وَالسَّامِعُونَ يَحْيَوْنَ (يوحنا 24:5-25).


ولننتبه الى ان ملكوت الله الذي نطلبه (اطْلُبُوا أَوَّلاً مَلَكُوتَ اللهِ (متى 33:6)) ليس جنةً مستقبلية نتنعم فيها، لأَنْ لَيْسَ مَلَكُوتُ اللهِ أَكْلاً وَشُرْبًا، بَلْ هُوَ بِرٌّ وَسَلاَمٌ وَفَرَحٌ فِي الرُّوحِ الْقُدُسِ (رومية 17:14)؛ فقد اعلن المسيح: هَا مَلَكُوتُ اللهِ دَاخِلَكُمْ (لوقا 21:17)، بسكنى الروح القدس فينا. وحياتنا على الارض هي الفرصة الممنوحة لنا لنستثمرها في التحول قدر ما يتيح لنا الخضوع لعمل الروح الى ما يليق بذلك الملكوت: وَنَحْنُ جَمِيعًا نَاظِرِينَ مَجْدَ الرَّبِّ بِوَجْهٍ مَكْشُوفٍ، كَمَا في مِرْآةٍ، نَتَغَيَّرُ إِلَى تِلْكَ الصُّورَةِ عَيْنِهَا، مِنْ مَجْدٍ إِلَى مَجْدٍ، كَمَا مِنَ الرَّبِّ الرُّوحِ (2 كورنثوس 18:3).


ثم يتم تغييرنا الى كمال صورة مجد المسيح عند مجيئه الثاني. ‏أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، الآنَ نَحْنُ أَوْلاَدُ اللهِ، وَلَمْ يُظْهَرْ بَعْدُ مَاذَا سَنَكُونُ. وَلكِنْ نَعْلَمُ أَنَّهُ إِذَا أُظْهِرَ نَكُونُ مِثْلَهُ، لأَنَّنَا سَنَرَاهُ كَمَا هُوَ (1 يوحنا 2:3).


وهنا بيت القصيد. فحتى نرى الله كما هو، في كامل مجده، نحتاج ان نكون مثله. كيف لاجسادنا الترابية هذه ان تواجه شمس البر؟!


بطرس التلميذ حين رأى لمحة من مجد المسيح في التجلي، كاد يفقد صوابه من رهبة ما رأى، حتى انه لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ مَا يَتَكَلَّمُ بِهِ إِذْ كَانُوا مُرْتَعِبِينَ (هو و يعقوب ويوحنا) (مرقس 6:9). وبولس الرسول بجلال قدره، لم يقدر ان يصف ما رآه من مجد الفردوس حين اختُطِفَ الى السماء سوى انه سَمِعَ كَلِمَاتٍ لاَ يُنْطَقُ بِهَا، وَلاَ يَسُوغُ لإِنْسَانٍ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهَا (2 كورنثوس 4:12). وموسى، بعد أن استلم الشريعة من الله على جبل سيناء، حدث ان جِلْدَ وَجْهِهِ صَارَ يَلْمَعُ فِي كَلاَمِهِ مَعَ (الله). فَنَظَرَ هَارُونُ وَجَمِيعُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مُوسَى وَإِذَا جِلْدُ وَجْهِهِ يَلْمَعُ، فَخَافُوا أَنْ يَقْتَرِبُوا إِلَيْهِ. وَجَعَلَ (موسى) عَلَى وَجْهِهِ بُرْقُعًا.‏ وَكَانَ مُوسَى عِنْدَ دُخُولِهِ أَمَامَ الرَّبِّ لِيَتَكَلَّمَ مَعَهُ يَنْزِعُ الْبُرْقُعَ حَتَّى يَخْرُجَ، ثُمَّ يَخْرُجُ وَيُكَلِّمُ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا يُوصَى.‏ فَإِذَا رَأَى بَنُو إِسْرَائِيلَ وَجْهَ مُوسَى أَنَّ جِلْدَهُ يَلْمَعُ كَانَ مُوسَى يَرُدُّ الْبُرْقُعَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى يَدْخُلَ لِيَتَكَلَّمَ مَعَهُ (خروج 29:34-35)!


مجد السماويات شئ، ومجد الأرضيات آخر


اذاً، حتى نعرف الله تمام المعرفة، ونشترك معه في كمال مجده، ينبغي ان نتحرر من هذه الطبيعة البشرية الضعيفة محدودة الامكانات، والتي تتهرأ وتذبل وتشيخ بمرور الاعوام. وما الوفاة الا موضع خلع الجسد الانساني استعداداً لجسم من نوع وطبيعة سرمدية. 

ولنسمع بولس الرسول يشرح لنا في رسالته الاولي الى كنيسة كورنثوس 35:15-54:


الَّذِي تَزْرَعُهُ لاَ يُحْيَا إِنْ لَمْ يَمُتْ. وَالَّذِي تَزْرَعُهُ، لَسْتَ تَزْرَعُ الْجِسْمَ الَّذِي سَوْفَ يَصِيرُ، بَلْ حَبَّةً مُجَرَّدَةً.
لَيْسَ كُلُّ جَسَدٍ جَسَدًا وَاحِدًا، بَلْ لِلنَّاسِ جَسَدٌ وَاحِدٌ، وَلِلْبَهَائِمِ جَسَدٌ آخَرُ، وَلِلسَّمَكِ آخَرُ، وَلِلطَّيْرِ آخَرُ. وَأَجْسَامٌ سَمَاوِيَّةٌ، وَأَجْسَامٌ أَرْضِيَّةٌ. لكِنَّ مَجْدَ السَّمَاوِيَّاتِ شَيْءٌ، وَمَجْدَ الأَرْضِيَّاتِ آخَرُ.‏
هكَذَا أَيْضًا قِيَامَةُ الأَمْوَاتِ: يُزْرَعُ فِي فَسَادٍ وَيُقَامُ فِي عَدَمِ فَسَادٍ. يُزْرَعُ فِي هَوَانٍ وَيُقَامُ فِي مَجْدٍ. يُزْرَعُ فِي ضَعْفٍ وَيُقَامُ فِي قُوَّةٍ. يُزْرَعُ جِسْمًا حَيَوَانِيًّا وَيُقَامُ جِسْمًا رُوحَانِيًّا. يُوجَدُ جِسْمٌ حَيَوَانِيٌّ، الجسم الذي نعيش به على هذه الارض، ويتشابه في انسجته وخلايا مكوناته مع اجسام كافة الحيوانات، وَيُوجَدُ جِسْمٌ رُوحَانِيٌّ، سنُلبَسه في المجئ الثاني، وبه نختبر ملء مجد بنوتنا لله، الذي لن يسعه الابدية!‏
هكَذَا مَكْتُوبٌ أَيْضًا:"صَارَ آدَمُ، الإِنْسَانُ الأَوَّلُ، نَفْسًا حَيَّةً، وَآدَمُ الأَخِيرُ رُوحًا مُحْيِيًا".‏ لكِنْ لَيْسَ الرُّوحَانِيُّ أَوَّلاً بَلِ الْحَيَوَانِيُّ، وَبَعْدَ ذلِكَ الرُّوحَانِيُّ.‏ الإِنْسَانُ الأَوَّلُ مِنَ الأَرْضِ تُرَابِيٌّ. الإِنْسَانُ الثَّانِي الرَّبُّ مِنَ السَّمَاءِ. كَمَا هُوَ التُّرَابِيُّ هكَذَا التُّرَابِيُّونَ أَيْضًا، وَكَمَا هُوَ السَّمَاوِيُّ هكَذَا السَّمَاوِيُّونَ أَيْضًا.‏ وَكَمَا لَبِسْنَا صُورَةَ التُّرَابِيِّ، سَنَلْبَسُ أَيْضًا صُورَةَ السَّمَاوِيِّ.
فَأَقُولُ هذَا أَيُّهَا الإِخْوَةُ: إِنَّ لَحْمًا وَدَمًا لاَ يَقْدِرَانِ أَنْ يَرِثَا مَلَكُوتَ اللهِ، وَلاَ يَرِثُ الْفَسَادُ عَدَمَ الْفَسَادِ.
لاَ نَرْقُدُ كُلُّنَا، وَلكِنَّنَا كُلَّنَا نَتَغَيَّرُ، فِي لَحْظَةٍ فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ، عِنْدَ الْبُوقِ الأَخِيرِ. فبالتأكيد سيكون هناك بشر على قيد الحياة حين يأتي المسيح في مجده يوم الدين. هؤلاء لن "يتنيحوا"، لكنهم بالضرورة سيتغيرون من هذا الجسد الترابي الى الجسم السماوي.
لأَنَّ هذَا الْفَاسِدَ لاَبُدَّ أَنْ يَلْبَسَ عَدَمَ فَسَادٍ، وَهذَا الْمَائِتَ يَلْبَسُ عَدَمَ مَوْتٍ.‏ وَمَتَى لَبِسَ هذَا الْفَاسِدُ عَدَمَ فَسَادٍ، وَلَبِسَ هذَا الْمَائِتُ عَدَمَ مَوْتٍ، فَحِينَئِذٍ تَصِيرُ الْكَلِمَةُ الْمَكْتُوبَةُ:"ابْتُلِعَ الْمَوْتُ إِلَى غَلَبَةٍ" ويكون بهذا انتهاء الموت بكل مستوياته واشكاله. فبعد ان غلب المسيح موت الانفصال عن الله، في اليوم الاخير ينتهي موت مفارقة الروح للجسد.


وهكذا وضَّح بولس الرسول في موضع آخر: آخِرُ عَدُوٍّ يُبْطَلُ هُوَ الْمَوْتُ (1 كورنثوس 20:15-26)، وايضاً يوحنا في رؤياه: وَطُرِحَ الْمَوْتُ فِي بُحَيْرَةِ النَّارِ (رؤيا 14:20).


اجمالاً


اذاً، يعيش الانسان المسيحي في غنى نعمة تدبير الفداء، واثقاً في عمل المسيح التبريري والتجديدي بتجسده وموته وقيامته وصعوده، نامياً في معرفة الله يومياً، متحولاً تدريجياً الى صورة المسيح بالخضوع الارادي المستمر والمتجدد لعمل الروح القدس، موقناً ان حياته على هذه الارض في هذا الجسد هي فرصته ليأخذ لنفسه نصيباً شخصياً مما تممه المسيح في شخصه القدوس، فيتحول الى مجد المسيح، مترقباً اليوم الذي سَيُغَيِّرُ فيه الرب يسوع المسيح شَكْلَ جَسَدِ تَوَاضُعِنَا لِيَكُونَ عَلَى صُورَةِ جَسَدِ مَجْدِهِ، بِحَسَبِ عَمَلِ اسْتِطَاعَتِهِ أَنْ يُخْضِعَ لِنَفْسِهِ كُلَّ شَيْءٍ (فيلبي 20:3-21).


وانطلاقاً مما سبق، يتحرر الانسان المسيحي من الانشغال بالارضيات والزمنيات والفانيات، او بالاحرى، يتغير هدفه من كل ما تمتد اليه يداه. فلا يكون عمله او دراسته او التزامه او اجتهاده ابتغاء مرضاة رؤساء او زملاء، او سعياً وراء تكريم او عرفان او تقدير، انما عملاً بكلام الحق: فَافْعَلُوا كُلَّ شَيْءٍ لِمَجْدِ اللهِ (1 كورنثوس 31:10). الانسان المسيحي يدرك أنه: مَا هِيَ حَيَاتُكُمْ (على الارض)؟ إِنَّهَا بُخَارٌ، يَظْهَرُ قَلِيلاً ثُمَّ يَضْمَحِلُّ (يعقوب 14:4)، وأن هَيْئَةَ هذَا الْعَالَمِ تَزُولُ (1 كورنثوس 31:7)؛ وَلكِنَّنَا بِحَسَبِ وَعْدِ (الله) نَنْتَظِرُ سَمَاوَاتٍ جَدِيدَةً، وَأَرْضًا جَدِيدَةً، يَسْكُنُ فِيهَا الْبِرُّ (2 بطرس 12:3-13).


يعلم الانسان المسيحي ان حياته في الجسد على الارض هذه انما هي سكن مؤقت، استعداداً وتهيئاً للحياة في صورتها الحقيقية والكاملة في اورشليم السمائية (من هنا ايضاً استهانة المسيحي بالموت عند الاستشهاد على اسم المسيح):


لأَنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّهُ إِنْ نُقِضَ (هُدِمَ) بَيْتُ خَيْمَتِنَا الأَرْضِيُّ (جسدنا)، فَلَنَا فِي السَّمَاوَاتِ بِنَاءٌ مِنَ اللهِ، بَيْتٌ غَيْرُ مَصْنُوعٍ بِيَدٍ، أَبَدِيٌّ. فَإِنَّنَا فِي هذِهِ أَيْضًا نَئِنُّ مُشْتَاقِينَ إِلَى أَنْ نَلْبَسَ فَوْقَهَا مَسْكَنَنَا الَّذِي مِنَ السَّمَاءِ. وَإِنْ كُنَّا لاَبِسِينَ لاَ نُوجَدُ عُرَاةً. فَإِنَّنَا نَحْنُ الَّذِينَ فِي الْخَيْمَةِ (الجسد) نَئِنُّ مُثْقَلِينَ، إِذْ لَسْنَا نُرِيدُ أَنْ نَخْلَعَهَا بَلْ أَنْ نَلْبَسَ فَوْقَهَا (لسنا كارهين للحياة على الارض، انما نعرف اولوياتنا جيداً، مميزين الباقي عن الفاني)، لِكَيْ يُبْتَلَعَ الْمَائِتُ (الجسد الارضي) مِنَ الْحَيَاةِ.‏ وَلكِنَّ الَّذِي صَنَعَنَا لِهذَا عَيْنِهِ هُوَ اللهُ (لنا رسالة من الله في هذا الجسد!)، الَّذِي أَعْطَانَا أَيْضًا عَرْبُونَ الرُّوحِ (روحه الساكن فينا ليبتدئ لنا الحياة الابدية بمعرفة الله هنا على الارض، هو العربون الذي يذيقنا قدراً بسيطاً من الحياة معه في السماء!).
(2 كورنثوس 1:5-5)


وليس ايماننا هذا تجاهلاً للوجع الحقيقي الذي يمزق دواخلنا عند مفارقة احبائنا بالجسد. وليس حزن الانسان المسيحي لرحيل عزيز عليه ضعفاً في الايمان. فالمسيح نفسه بكى عند قبر لعازر (يوحنا 35:11)! وبعد ان سلَّم بولس الرسول الرعية لقسوس الكنيسة، مودعاً اياهم قبل رحيله الاخير الى روما، كَانَ بُكَاءٌ عَظِيمٌ مِنَ الْجَمِيعِ، وَوَقَعُوا عَلَى عُنُقِ بُولُسَ يُقَبِّلُونَهُ‏ مُتَوَجِّعِينَ، وَلاَ سِيَّمَا مِنَ الْكَلِمَةِ الَّتِي قَالَهَا: إِنَّهُمْ لَنْ يَرَوْا وَجْهَهُ أَيْضًا (اعمال 37:20-38). فالحزن رد فعل طبيعي وصحي خلقه الله فينا. لذا، لا ينهانا الكتاب المقدس اطلاقاً عن الحزن على فراق احبائنا، انما عن الحزن كَالْبَاقِينَ الَّذِينَ لاَ رَجَاءَ لَهُمْ. لأَنَّهُ إِنْ كُنَّا نُؤْمِنُ أَنَّ يَسُوعَ مَاتَ وَقَامَ، فَكَذلِكَ الرَّاقِدُونَ بِيَسُوعَ، سَيُحْضِرُهُمُ اللهُ أَيْضًا مَعَهُ. فَإِنَّنَا نَقُولُ لَكُمْ هذَا بِكَلِمَةِ الرَّبِّ: إِنَّنَا نَحْنُ الأَحْيَاءَ الْبَاقِينَ إِلَى مَجِيءِ الرَّبِّ، لاَ نَسْبِقُ الرَّاقِدِينَ.‏ لأَنَّ الرَّبّ نَفْسَهُ بِهُتَافٍ، بِصَوْتِ رَئِيسِ مَلاَئِكَةٍ وَبُوقِ اللهِ، سَوْفَ يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَمْوَاتُ فِي الْمَسِيحِ سَيَقُومُونَ أَوَّلاً. ثُمَّ نَحْنُ الأَحْيَاءَ الْبَاقِينَ سَنُخْطَفُ جَمِيعًا مَعَهُمْ فِي السُّحُبِ لِمُلاَقَاةِ الرَّبِّ فِي الْهَوَاءِ، وهكَذَا نَكُونُ كُلَّ حِينٍ مَعَ الرَّبِّ.‏ لِذلِكَ عَزُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا بِهذَا الْكَلاَمِ (1 تسالونيكي 13:4-18)!


وفي النهاية، الحزن نفسه هو بالضرورة من متعلقات الجسد الارضي هذا، لذا يقول الكتاب على لسان الرائي عن اهل المدينة المقدسة اورشليم الجديدة: وَسَيَمْسَحُ اللهُ كُلَّ دَمْعَةٍ مِنْ عُيُونِهِمْ، وَالْمَوْتُ لاَ يَكُونُ فِي مَا بَعْدُ، وَلاَ يَكُونُ حُزْنٌ وَلاَ صُرَاخٌ وَلاَ وَجَعٌ فِي مَا بَعْدُ، لأَنَّ الأُمُورَ الأُولَى قَدْ مَضَتْ (رؤيا 4:21).


اخيراً
  • خارج المسيح، يبقى الموت عدواً مجهولاً، ليس للبشر الضعفاء مفر منه، وهو بداية اهوال وضيقات. اما في المسيح وبعمل روحه القدوس، ندخل الى الحياة الحقة التي هي معرفة الله، ونعلم ان الانتقال من هذا الجسد هو "غرفة تغيير الملابس" الى الحالة النورانية كَمَلاَئِكَةِ اللهِ فِي السَّمَاءِ (متى 31:22) التي نقدر فيها ان نعرف ما هو العرض والطول والعمق والعلو لمحبة المسيح الفائقة المعرفة، لكي نمتلئ إلى كل ملء الله (افسس 18:3-19)؛ فَإِنَّنَا نَنْظُرُ الآنَ فِي مِرْآةٍ، فِي لُغْزٍ، لكِنْ حِينَئِذٍ وَجْهًا لِوَجْهٍ. الآنَ أَعْرِفُ بَعْضَ الْمَعْرِفَةِ، لكِنْ حِينَئِذٍ سَأَعْرِفُ كَمَا عُرِفْتُ (1 كورنثوس 12:13)!
  • خارج المسيح، يرهب الانسان الموت ويستعيذ من عذابات القبر. اما في المسيح الحي، يهتف الانسان: لأَنَّ لِيَ الْحَيَاةَ هِيَ الْمَسِيحُ وَالْمَوْتُ هُوَ رِبْحٌ. لِيَ اشْتِهَاءٌ أَنْ أَنْطَلِقَ وَأَكُونَ مَعَ الْمَسِيحِ، ذَاكَ أَفْضَلُ جِدًّا (فيلبي 21:1، 23). فَمَا أَحْيَاهُ الآنَ فِي الْجَسَدِ، فَإِنَّمَا أَحْيَاهُ فِي الإِيمَانِ، إِيمَانِ ابْنِ اللهِ، الَّذِي أَحَبَّنِي وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِي (غلاطية 20:2)! فالمسيح قد جاء لِكَيْ يُبِيدَ بِالْمَوْتِ ذَاكَ الَّذِي لَهُ سُلْطَانُ الْمَوْتِ، أَيْ إِبْلِيسَ، وَيُعْتِقَ أُولئِكَ الَّذِينَ­ خَوْفًا مِنَ الْمَوْتِ­ كَانُوا جَمِيعًا كُلَّ حَيَاتِهِمْ تَحْتَ الْعُبُودِيَّةِ (عبرانيين 14:2-15)!
  • بدون المسيح، كان الانتقال من هذا الجسد نهاية كل شئ، لا امل بعده. فالنفس البشرية في فساد انفصالها عن الله، ولا سبيل لها الى العودة اليه، بعد ان اختارت بارادتها الانعزال عنه، ثم تجرعت كأس مرارة ذلك الاختيار! كان الموت هو العَرَض الاخير والنهائي لمرض الخطية! فكان المرنم في المزمور ناطقاً بلسان حال كل مَن ينظر الى مفارقة الروح للجسد خارج اطار المسيح: يَمْخَضُ قَلْبِي فِي دَاخِلِي، وَأَهْوَالُ الْمَوْتِ سَقَطَتْ عَلَيَّ. خَوْفٌ وَرَعْدَةٌ أَتَيَا عَلَيَّ، وَغَشِيَنِي رُعْبٌ (مزامير 4:55-5)!



اما في المسيح يسوع الهنا، الذي جدد طبيعتنا ورفع عنها فساد الخطية بتجسده وتأنسه، وغلب الموت فقام منه بالجسد، جسد بشريتنا، لم يعد الموت هو النتيجة المترتبة على نخر الخطية في كياننا، بل هو خلع المسكن الوقتي (2 بطرس 13:1-15) استعداداً للمسكن السمائي الابدي في مجد الغالبين والمنتصرين، راسخين غير متزعزعين. الآن في المسيح، ننظر الى الموت ونهتف: أَيْنَ شَوْكَتُكَ يَا مَوْتُ؟ أَيْنَ غَلَبَتُكِ يَا هَاوِيَةُ؟ وَلكِنْ شُكْرًا ِللهِ الَّذِي يُعْطِينَا الْغَلَبَةَ بِرَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ (1 كورنثوس 55:15-57)!


نقولها، واضعين رجاءنا في الهنا الحي، الذي ثبَّتنا نحن الاغصان فيه الكرمة الحقيقية (يوحنا 5:15)، موقنين ان حال الاغصان هو من حال الكرمة، الذي يعلن لكل واحد منا:   


لاَ تَخَفْ، أَنَا هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ، والْحَيُّ. وكُنْتُ مَيْتًا، وَهَا أَنَا حَيٌّ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ!
(رؤيا 18:1)


+++


وَتَعْرِفُونَ الْحَقَّ، وَالْحَقُّ يُحَرِّرُكُمْ.
(يوحنا 32:8)






الثلاثاء، 24 يناير 2012

المحبة المسيحية: فضيلة إضافية أم وصية جوهرية

حين سمعنا الانباء في عيد الميلاد المجيد الماضي (يناير 2012) عن رفض بعض القيادات الاسلامية لتهنئة "النصارى" بعيدهم، لما في ذلك من "اظهار للكفر والشرك المتضمن فيها"، تباينت ردود افعال الشباب المسيحي، وسمعنا آراء – وان كانت قليلة –  تطالب بالرد بالمثل، والامتناع عن معايدة المتشددين من مواطنينا المسلمين في اعيادهم. غني عن الذكر ان ذلك رأي ابعد ما يكون عن الروح المسيحية، فالرد السريع والفوري على ذلك الرأي سيكون: خلّي عندك محبة. وهنا محور رسالتنا: المحبة المسيحية، هل هي فضيلة اضافية يتحلى بها الانسان المسيحي، ام هي وصية جوهرية يقوم عليها، ولا يقوم بدونها، ايمان الانسان المسيحي؟


المدخل لاجابة هذا السؤال هو فهم العبارة الشهيرة جداً والتي نرددها منذ بداية وعينا:
اللهَ مَحَبَّةٌ (1 يوحنا 8:4)


اولاً
هذه الآية اعمق بكثير مما نتداوله عنها انها حَثٌ على المحبة والتسامح، وان الله محب للبشر والخ. هذه العبارة هي تقرير لطبيعة الله! فليست المحبة صفة يتصف بها الله، انما هي طبيعته! والفرق هو كالفرق بين القول بأن النار ساخنة وان النار هي السخونة نفسها.


ولأن الله محبة بطبيعته، لذا وجب ان يكون في طبيعته "المحب" و"المحبوب" في آن... وهذا هو مدلول قول الكتاب المقدس:
هذَا هُوَ ابْني الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ.
(متى 17:3)


كَمَا أَحَبَّنِي الآبُ كَذلِكَ أَحْبَبْتُكُمْ أَنَا. اُثْبُتُوا فِي مَحَبَّتِي.‏ إِنْ حَفِظْتُمْ وَصَايَايَ تَثْبُتُونَ فِي مَحَبَّتِي، كَمَا أَنِّي أَنَا قَدْ حَفِظْتُ وَصَايَا أَبِي وَأَثْبُتُ فِي مَحَبَّتِهِ.
(يوحنا 9:15-10)


‏وَالآنَ مَجِّدْنِي أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ عِنْدَ ذَاتِكَ بِالْمَجْدِ الَّذِي كَانَ لِي عِنْدَكَ قَبْلَ كَوْنِ الْعَالَمِ. قَدْ أَعْطَيْتُهُمُ الْمَجْدَ الَّذِي أَعْطَيْتَنِي، لِيَكُونُوا وَاحِدًا كَمَا أَنَّنَا نَحْنُ وَاحِدٌ. أَنَا فِيهِمْ وَأَنْتَ فِيَّ لِيَكُونُوا مُكَمَّلِينَ إِلَى وَاحِدٍ، وَلِيَعْلَمَ الْعَالَمُ أَنَّكَ أَرْسَلْتَنِي، وَأَحْبَبْتَهُمْ كَمَا أَحْبَبْتَنِي. أَيُّهَا الآبُ أُرِيدُ أَنَّ هؤُلاَءِ الَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي يَكُونُونَ مَعِي حَيْثُ أَكُونُ أَنَا، لِيَنْظُرُوا مَجْدِي الَّذِي أَعْطَيْتَنِي، لأَنَّكَ أَحْبَبْتَنِي قَبْلَ إِنْشَاءِ الْعَالَمِ.
(يوحنا 5:17، 22-24)



اذاً، فالمحبة في مفهومها المسيحي هي، قبل كل شئ، طبيعة الله، وهي اساس وحدانية الثالوث القدوس الاله الواحد. باختصار شديد (نرجئ التفصيل لرسالة لاحقة ان شاء الرب وعشنا)، تلك المحبة المطلقة، طبيعة الله، هي التي تسمح للآب ان يمجد الابن دون انتقاص من الوهية الآب (يوحنا 5:17)، وللابن ان يعمل مشيئة الآب لا مشيئته دون انتقاص من الوهية الابن (‏لأَنِّي قَدْ نَزَلْتُ مِنَ السَّمَاءِ، لَيْسَ لأَعْمَلَ مَشِيئَتِي، بَلْ مَشِيئَةَ الَّذِي أَرْسَلَنِي (يوحنا 38:6))، وللروح القدس ان يشهد للابن دون انتقاص من الوهية الروح القدس (وَمَتَى جَاءَ الْمُعَزِّي الَّذِي سَأُرْسِلُهُ أَنَا إِلَيْكُمْ مِنَ الآبِ، رُوحُ الْحَقِّ، الَّذِي مِنْ عِنْدِ الآبِ يَنْبَثِقُ، فَهُوَ يَشْهَدُ لِي (يوحنا 26:15))! كمال الله هو كمال المحبة والشركة لا كمال العزلة والتفرد.


كيف تحدث تلك الوحدة؟ ما هي تفاصيل آلياتها؟ لا نعرف! فطبيعة الله، بالضرورة، فوق امكانيات عقل الانسان. كل ما نعرفه ان اساس وحدة اقانيم الله الثلاثة هو طبيعة الله ذاتها: المحبة. لذا كتب يوحنا الانجيلي: الله محبة! وكأن الله في طبيعته "يحتاج" (على سبيل الشرح فقط) الى موضوع محبة، ويجد في ذاته موضوع تلك المحبة، محبة الاقانيم الثلاثة لبعضها في ذات الهية واحدة. وما يعنينا بالاكثر هو انعكاس وحدانية المحبة تلك على حياتنا كمسيحيين.



ثانياً
طبيعة الله المُحِبَة تلك هي اساس الوجود كله! فكما ان مجد ينبوع الماء الصافي المُروي ان يفيض، كذلك مجد ينبوع المحبة الالهية ان يفيض – فخلق الله الانسان كي يكون موضوعاً لتلك المحبة الالهية، بل شريكاً فيها! وهو المعنى الذي يذهب اليه قولنا في ليتورجيا الافخاريستيا:


الذي من اجل الصلاح وحده، مما لم يكن كونت الانسان.
ليس شئ من النطق يستطيع ان يحد لجة محبتك للبشر. خلقتنى انساناً كمحب للبشر، من اجل تعطفاتك الجزيلة كونتني اذ لم اكن. لم تدعني معوزاً شيئاً من اعمال كرامتك. انت الذي جبلتني. ووضعت يدك علي. وكتبت في صورة سلطانك.
(القداس الاغريغوري)


وفي نفس السياق، محبة الله هي اساس تدبير الفداء:

مُبَارَكٌ اللهُ أَبُو رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي بَارَكَنَا بِكُلِّ بَرَكَةٍ رُوحِيَّةٍ فِي السَّمَاوِيَّاتِ فِي الْمَسِيحِ، كَمَا اخْتَارَنَا فِيهِ قَبْلَ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ، لِنَكُونَ قِدِّيسِينَ وَبِلاَ لَوْمٍ قُدَّامَهُ فِي الْمَحَبَّةِ،‏ إِذْ سَبَقَ فَعَيَّنَنَا لِلتَّبَنِّي بِيَسُوعَ
 الْمَسِيحِ لِنَفْسِهِ، حَسَبَ مَسَرَّةِ مَشِيئَتِهِ، ِلمَدْحِ مَجْدِ نِعْمَتِهِ الَّتِي أَنْعَمَ بِهَا عَلَيْنَا فِي الْمَحْبُوبِ، الَّذِي فِيهِ لَنَا الْفِدَاءُ بِدَمِهِ، غُفْرَانُ الْخَطَايَا.
(افسس 3:1-7)


فكما تكشف كلمات الرسول بولس، لم يكن تدبير الفداء وتبنينا للآب بتجسد الابن "خطة طوارئ" ارتجلها الله كردة فعل لورطة السقوط. ابداً! ذلك التدبير مُعَد لنا من قبل تأسيس العالم. وما كان ممكناً ان تتحقق بنوتنا لله ان لم يكن هو اولاً آباً مُحِباً، لذا فلا يتحقق تقديسنا الا -  في الاساس – في المحبة الالهية، اذ اتحد بطبيعتنا البشرية الفاسدة ليجددها ويعيدها خليقة جديدة الابن المحبوب نفسه! فحين يراه الآب، يصير هاتف السماء: هذَا هُوَ ابْني الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ (متى 17:3) منطلياً على بشريتنا فيه!


اذاً، اجمالاً، المحبة (طبيعة الله) هي اساس تدبير الفداء واتحاد المسيح ببشريتنا ورضا الخالق عنا من جديد، وما يترتب على ذلك من منهج حياة جديد: إِذًا إِنْ كَانَ أَحَدٌ فِي الْمَسِيحِ فَهُوَ خَلِيقَةٌ جَدِيدَةٌ: الأَشْيَاءُ الْعَتِيقَةُ قَدْ مَضَتْ، هُوَذَا الْكُلُّ قَدْ صَارَ جَدِيدًا. إِذًا نَسْعَى كَسُفَرَاءَ عَنِ الْمَسِيحِ، كَأَنَّ اللهَ يَعِظُ بِنَا. لأَنَّهُ جَعَلَ الَّذِي لَمْ يَعْرِفْ خَطِيَّةً، خَطِيَّةً لأَجْلِنَا، لِنَصِيرَ نَحْنُ بِرَّ اللهِ فِيهِ (2 كورنثوس 17:5-21)؛ المحبة هي اساس الايمان المسيحي كله.


ثالثاً
من هنا ينشأ اختلاف وتميز المفهوم المسيحي للمحبة. فلم تعد المحبة تلك العاطفة الجياشة المصحوبة بخفقان القلب والنظرات الساحرة، ولا المحبة سمو اخلاقي وحسن تربية ومودة – المحبة الحقة هي طبيعة الله، لا يمنحها الا الله ولا تتحقق الا من خلاله، لذا قال البشير:

أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، لِنُحِبَّ بَعْضُنَا بَعْضًا، لأَنَّ الْمَحَبَّةَ هِيَ مِنَ اللهِ، وَكُلُّ مَنْ يُحِبُّ فَقَدْ وُلِدَ مِنَ اللهِ وَيَعْرِفُ اللهَ. وَمَنْ لاَ يُحِبُّ لَمْ يَعْرِفِ اللهَ، لأَنَّ اللهَ مَحَبَّةٌ.
(1 يوحنا 7:4-8)


ولأن المحبة من الله، فلا يستمد الانسان القدرة على المحبة الا من مصدرها: الله نفسه. لذا، فالمحبة هي من ثمار الروح القدس في حياتي كمسيحي، حين اخضع لعمل الله فيّ:
وَأَمَّا ثَمَرُ الرُّوحِ فَهُوَ: مَحَبَّةٌ... الخ.
(غلاطية 22:5)

واذ فهمنا ان المحبة هي طبيعة الله نفسه، نجد مذاقاً اعمق لقول الرسول: ‏اَلْمَحَبَّةُ لاَ تَسْقُطُ أَبَدًا. وَأَمَّا النُّبُوَّاتُ فَسَتُبْطَلُ، وَالأَلْسِنَةُ فَسَتَنْتَهِي، وَالْعِلْمُ فَسَيُبْطَلُ. لأَنَّنَا نَعْلَمُ بَعْضَ الْعِلْمِ وَنَتَنَبَّأُ بَعْضَ التَّنَبُّؤِ. وَلكِنْ مَتَى جَاءَ الْكَامِلُ فَحِينَئِذٍ يُبْطَلُ مَا هُوَ بَعْضٌ (1 كورنثوس 8:13-10): كل المواهب والعطايا المذكورة في هذه الآيات وبقية الاصحاح ستُبطَل حين يستعلن الله في كامل مجده، اما المحبة فهي باقية الى الابد ولا سقوط لها، لأنها طبيعة الله الكامل.


ولكن مسيحنا لم يأتِ ليتفلسف وينَظِّر وينظم كلمات فخمة. اتى المسيح لتأسيس حياة جديدة، اساسها المحبة. ومقياس هذه المحبة التي نحن مطالبون بها هو الآتي:

كَمَا أَحْبَبْتُكُمْ أَنَا تُحِبُّونَ أَنْتُمْ أَيْضًا بَعْضُكُمْ بَعْضًا. بِهذَا يَعْرِفُ الْجَمِيعُ أَنَّكُمْ تَلاَمِيذِي: إِنْ كَانَ لَكُمْ حُبٌّ بَعْضًا لِبَعْضٍ.
 (يوحنا 34:13-35)


فكما احبنا المسيح حتى بذل نفسه عنا، كذلك نحن مطالبون بالمحبة الى حد بذل النفس! وليست العلامة التي تميزنا تلاميذاً للمسيح شهادة نرددها ولا وشماً على ايدينا ولا اسماء نتسمى بها – العلامة التي تميزنا تلاميذاً لملك المجد هي محبتنا الباذلة! بهذا الحسم والوضوح وضح لنا يوحنا البشير:  
‏
مَنْ قَالَ: إِنَّهُ فِي النُّورِ وَهُوَ يُبْغِضُ أَخَاهُ، فَهُوَ إِلَى الآنَ فِي الظُّلْمَةِ. مَنْ يُحِبُّ أَخَاهُ يَثْبُتُ فِي النُّورِ وَلَيْسَ فِيهِ عَثْرَةٌ. وَأَمَّا مَنْ يُبْغِضُ أَخَاهُ فَهُوَ فِي الظُّلْمَةِ.
مَنْ لاَ يُحِبُّ لَمْ يَعْرِفِ اللهَ، لأَنَّ اللهَ مَحَبَّةٌ. وَمَنْ يَثْبُتْ فِي الْمَحَبَّةِ، يَثْبُتْ فِي اللهِ وَاللهُ فِيهِ. إِنْ قَالَ أَحَدٌ:"إِنِّي أُحِبُّ اللهَ" وَأَبْغَضَ أَخَاهُ، فَهُوَ كَاذِبٌ. لأَنَّ مَنْ لاَ يُحِبُّ أَخَاهُ الَّذِي أَبْصَرَهُ، كَيْفَ يَقْدِرُ أَنْ يُحِبَّ اللهَ الَّذِي لَمْ يُبْصِرْهُ؟‏ وَلَنَا هذِهِ الْوَصِيَّةُ مِنْهُ: أَنَّ مَنْ يُحِبُّ اللهَ يُحِبُّ أَخَاهُ أَيْضًا.‏
(1 يوحنا 9:2-11 و 8:4، 16، 20-21)


وليس "الأخ" الذي نحن مطالبون بمحبته محبة باذلة حتى الموت هو اخي في الايمان او الجسد او او... فَإِنْ أَحْبَبْتُمُ الَّذِينَ يُحِبُّونَكُمْ، فَأَيُّ فَضْل لَكُمْ؟ فَإِنَّ الْخُطَاةَ أَيْضًا يُحِبُّونَ الَّذِينَ يُحِبُّونَهُمْ. وَإِذَا أَحْسَنْتُمْ إِلَى الَّذِينَ يُحْسِنُونَ إِلَيْكُمْ، فَأَيُّ فَضْل لَكُمْ؟ فَإِنَّ الْخُطَاةَ أَيْضًا يَفْعَلُونَ هكَذَا (لوقا 32:6-33). اخي هو: كل انسان، بما في ذلك مَن يزدريني ويحسبني ضالاً بل نجساً. وليست هذه مبالغة. وارجع لمثل السامري الصالح (لوقا 25:10-37) للتأكد من صحة الكلام! ولنصمت كلنا، فنسمع كلمات الحق الالهي المُقَدِّس موجهاً ايانا:

بِهذَا قَدْ عَرَفْنَا الْمَحَبَّةَ: أَنَّ ذَاكَ وَضَعَ نَفْسَهُ لأَجْلِنَا، فَنَحْنُ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَضَعَ نُفُوسَنَا لأَجْلِ الإِخْوَةِ. يَا أَوْلاَدِي، لاَ نُحِبَّ بِالْكَلاَمِ وَلاَ بِاللِّسَانِ، بَلْ بِالْعَمَلِ وَالْحَقِّ!
(1 يوحنا 16:3-17)
فَإِنْ جَاعَ عَدُوُّكَ فَأَطْعِمْهُ. وَإِنْ عَطِشَ فَاسْقِهِ. لأَنَّكَ إِنْ فَعَلْتَ هذَا تَجْمَعْ جَمْرَ نَارٍ عَلَى رَأْسِهِ. ‏لاَ يَغْلِبَنَّكَ الشَّرُّ بَلِ اغْلِبِ الشَّرَّ بِالْخَيْرِ.
(رومية 20:12-21)


اذاً، اجابة السؤال المطروح في عنوان المقال هي:


المحبة المسيحية هي وصية جوهرية، لا تكتمل دعوتي على اسم المسيح بدونها!


واخيراً، مهما رفضوا معايدتنا، او نعتونا بالكفار والضالين، او هدموا كنائسنا، او دهسوا شبابنا، او افتروا علينا وقالوا فينا كل شر كاذبين، علينا نحن ان نحبهم محبة عاملة باذلة حتى بذل النفس. وكلما يشتد بنا الوجع ونصرخ في ضعف بشريتنا: إِلهِي، إِلهِي، لِمَاذَا تَرَكْتَنِي؟‏ (متى 46:27)، نسمع رده مدوياً:

اُذْكُرُوا الْكَلاَمَ الَّذِي قُلْتُهُ لَكُمْ: لَيْسَ عَبْدٌ أَعْظَمَ مِنْ سَيِّدِهِ. إِنْ كَانُوا قَدِ اضْطَهَدُونِي فَسَيَضْطَهِدُونَكُمْ.
(يوحنا 20:15)

اِحْسِبُوهُ كُلَّ فَرَحٍ حِينَمَا تَقَعُونَ فِي تَجَارِبَ مُتَنَوِّعَةٍ،‏ عَالِمِينَ أَنَّ امْتِحَانَ إِيمَانِكُمْ يُنْشِئُ صَبْرًا.
(يعقوب 3:1)

بِصَبْرِكُمُ اقْتَنُوا أَنْفُسَكُمْ.
(لوقا 19:21)

قالها ذاك الذي اثبت الزمن ولازال صدق وعوده إذ قال:

هَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ.
(متى 20:28)


+++



وَتَعْرِفُونَ الْحَقَّ، وَالْحَقُّ يُحَرِّرُكُمْ.
(يوحنا 32:8)