‏إظهار الرسائل ذات التسميات قراءات تأملية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قراءات تأملية. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 11 أبريل 2012

إختار المسامير - قراءات لأسبوع الآلام، الحلقة الرابعة



7. لن أتركَك - الوعد الإلهي في الطريق


نَفْتَخِرُ أَيْضًا بِاللهِ، بِرَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي نِلْنَا بِهِ الآنَ الْمُصَالَحَةَ.
 (رومية 11:5)

شَاكِرِينَ الآبَ الَّذِي أَهَّلَنَا لِشَرِكَةِ مِيرَاثِ الْقِدِّيسِينَ فِي النُّورِ، الَّذِي أَنْقَذَنَا مِنْ سُلْطَانِ الظُّلْمَةِ، وَنَقَلَنَا إِلَى مَلَكُوتِ ابْنِ مَحَبَّتِهِ.
(كولوسي 12:1-13)




جلست مريم إبنة الخمس  سنوات في حجر أبيها.
سألها أبوها في وفرة من الإهتمام: أنلتِ كفايتك من الطعام؟
تبسمت الطفلة مربتةً على معدتها: تكاد بطني تنفجر يا بابا!
 - هل جربت الكيكة التي أعدتها جدتك؟
 - أكلت قطعة كاملة!
 وجَّهَ يوسف نظرة امتنان لأمه عبر المائدة: إنك تفسديننا يا أماه! لا أظنني قادراً على فعل شئ غير النوم العميق!
 ضمت مريم وجه أبيها بين كفيها الصغيرتين، قائلةً: لكن بابا، أما وعدتني ببناء المزود – أنا وأنت؟
 تصنَّع يوسف النسيان: حقاً؟ غريب أني لا أذكر شيئاً من هذا القبيل!
 ابتسمت الجدة وهي تنظف المائدة.
-       لكن بابا، نحن دائماً ما نبني المزود معاً – أنا وأنت – كل ليلة عيد. ألا تتذكر؟ أنا وأنت فقط!
 إنفجرت الضحكات من وراء شاربه الكثيف."إلا وأتذكر يا حبيبة بابا. وهل لي أن أنسى؟"

وقام الإثنان. وللحظة – مجرد لحظة متوهجة عابرة – بُعِثَت زوجته حيةً لمرة أخرى، ولم يكن يوسف يعي إلا زوجته بجانبه، يرتبان معاً المزود الصغير.
ربما لقضوا كل عيد ميلاد على ذاك المنوال، لولا مضاعفات حمل الزوجة.
وُلِدَت مريم. ماتت الأم.
وهكذا، صار يوسف مربي الطفلة الوحيد.
 - أسرعْ يا بابا! كانت تجذبه من يده. بك لننهي المزود قبل وصول الأقارب!
 كانت الصبية على حق. حيناً ويأتي الأقارب وتزدحم الدار فتنقضي الليلة.
 أما الآن. بابا ومريم فقط.
+++
حب الوالدين للوليد قوة جبارة. لا يقدم الرضيع لأهله سوى دموعه وصراخه.
لا أموال ولا مهارات ولا خبرات ولا نصائح. ولو وُلِدَ الطفل بجيوب لكانوا فارغين.
متى ترَ رضيعاً في مهده فإنك ترى تجسيداً لأوج العجز.
فماذا يستدعي الحب في الوليد؟     
أياً كان الداعي، يجده بابا وماما.
تأمل وجه الأم أثناء رضاعة طفلها.
لاحظ عيني الأب وطفله كامن في حضنه.
جرب أن تسئ للطفل أو أن تؤذيه تواجه قوة جبارة، لأن حب الوالدين قوة عارمة ساحقة.
لقد سأل يسوعُ مرة، إن كنا ونحن خطاة يفيض بين جوانحنا ذاك الحب، فكم بالحري الله البار؟

ولكن، ماذا يحدث إن لاقى الوالد الجفاء من ولده؟
ماذا يصيب قلب الأب حين يهجره طفله؟
+++
اقتحمت الثورة حياة يوسف كالتتار. بعد أن استخرجت مريم بطاقتها، قررت الفتاة أن توجه دفة حياتها بنفسها. ولم تتضمن هذه الحياة أباها.
كثيراً ما وبخ يوسف نفسه: وجب عليّ إدراك الأمر. ولكن وحياتي فاتني إدراكه في حينه!
لم يعرف يوسف كيف يواجه مراهقة إبنته الثائرة. لم يعرف كيف يواجه الملابس الضيقة والوشم على ذراعاتها العارية.
لم يعرف كيف يواجه سهرها خارج البيت وتدني مستواها الدراسي.
أما الخطب الجليل. فلم يعرف متى يتكلم ومتى يسكت.
على النقيض، كانت هي واثقة من كل شئونها. كانت تعرف متى تسكت – سبعة أيام في الأسبوع – ومتى  تتكلم – بقية الأسبوع.
كان الوضع مخنلفاً مع ذاك الشاب طويل الشعر، الذي يدلي من عنقه السلاسل ومن فمه السيجارة.
لم يكن في ذلك الفتى خير. وكم كان يوسف مدركاً لتلك الحقيقة المرة.
ولم تكن قوة على الأرض ستحمله على السماح لإبنته بقضاء ليلة العيد مع ذاك المتسكع.
- ستكونين معنا الليلة يا آنسة! أمام مائدة أبيك تأكلين ما أعدته جدتك! ليلة عيد الميلاد المجيد ستقضينها معنا في دار آلك!
ورغم أنهما جلسا إلى المائدة نفسها، إلا أن سنيناً ضوئية فصلت ما بين نفسيهما.
جلست مريم تحرك الطعام متململة أمامها. حاولت الجدة أن تحادث يوسف مروحة عنه، إلا أن ردوده كانت مقتضبة جوفاء.
فجزء منه كان يتميز غيظاً. وجزء كان محطماً. وبقية جوانحه كانت تئن معه، فكم كان يتمنى أن يحيي علاقته مع تلك الفتاة الجالسة قباله. تلك التي جلست في حجره طفلة من أعوام مضت وكأنها دهور.
سرعان ما وصل أقاربهم. وبسبب البرود العائلي الذي ابتلى تلك العائلة، لم يكن مزود المسيح المولود قد أُقيم بعد. تلقائياً، بحث أحد إخوة يوسف عن مجسم المزود حتى وجده، فوضعه إلى جانب الأب المجروح. ظناً ان في ذلك شرفاً لإبنته، قال يوسف: هل سترتبين المزود مع بابا الليلة؟
تأففت الفتاة العنيدة. وأمام العائلة كلها، إرتدت معطفها وخرجت، تاركةً أبيها وحيداً.
 وحيداً جداً.
+++

كما يقول الكتاب المقدس، هذا ما فعلناه مع أبينا السماوي. فقد رفضنا محبته. "كُلُّنَا كَغَنَمٍ ضَلَلْنَا. مِلْنَا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى طَرِيقِهِ" (إشعياء 6:53).
يأخذ بولس الرسول تمردنا إلى ما هو أبعد من ذلك خطوة. فيقول أننا كنا أعداء لله (رومية 10:5). صعبة. العدو خصم. مبتغاه إيذاء خصمه، ليس عن جهل بل بإرادته.
وهل يتفق هذا الوصف وإيانا؟ هل حدث أن تمردنا على أبينا؟
هل حدث...
أن فعلت ما أنا مدرك في قرارة قلبي أنه ضد مشيئة الآب السماوي؟
أن آذيت إبناً من أبنائه؟
أن أيدت عمل عدوه الشيطان؟
أن تمردت علي أبي؟
لو كان ما سبق منطبقاً علينا، ألسنا كذلك في موقف العدو؟
فكيف يتصرف الله حين نصير أعداءه؟
+++
عادت مريم ذلك اليوم، ولكن عودتها لم تدم. ورغم ذلك، لم يلمها يوسف على شئ. بذل يوسف كل ما في وسعه لإستمالتها في أواخر أيامها معه. أعد لها غذاءها المفضل، اختلقت عذراً عن الأكل: عندي تلبك معوي حاد. شكراً، لن آكل. ابتاع لها ثوباً جديدا أنيقاً – لم تفضه من لفته أصلاً. حتى أنه دعاها لمشاهدة فيلم في السينما – اعتكفت في حجرتها وقد أدارت مفتاح باب الحجرة.
وفي يوم ربيعي عاد يوسف من عمله مبكراً ليكون في استقبالها حين تعود من كليتها.
في ذلك اليوم لم تعد مريم لبيت أبيها مطلقاً.
تلقى يوسف مكالمة تليفونية من إحدى زميلات مريم، أخبرته فيها أنها رأت مريم مع شاب يستقلان القطار المتجه للعاصمة. وأين ذهبا هناك. العلم عند علام الغيوب!
+++
من أشهر الدروب في فلسطين "فيا دولوروسا" أو "درب الأحزان". وفق التقليد (خصوصاً لدى الغرب) ذاك الطريق في القدس هو مسار المسيح حاملاً صليبه من دار بيلاطس وحتى الجلجثة. في الطريق أربع عشرة "محطة". كل منها تشير لخادثة ما، كسقطات المسيح تحت ثقل الصليب، ومقابلة سمعان القيرواني، إلخ.
أيمكن التحقق من دقة ذاك الطريق؟ في الأغلب، لا. فقد تعرضت أورشليم\القدس للتدمير عدة مرات، منها على يد تيطس عام 70م، ثم خُرِبَت ثانية عام 135م. فبالتأكيد انمحت معالم طرقات وشوارع المدينة. كنتيجة طبيعية، لا يعلم أحد المسار الحقيقي الذي سلكه المسيح من دار بيلاطس للجلجثة.
وإن كنا نعلم أين بدأ ذاك المسار.
بدأ المسار، لا من قاعة بيلاطس، ولا حتى من مزود بيت لحم، بل من قاعات السماء.
بدأ أبونا رحلته لحظة أن غادر بيته السماوي باحثاً عنا، كل ما يدفعه تحنن جياش ليفوز بقلبك. كانت رغبته أصيلة واحدة – أن يعيد أبناءه لبيت أبيهم. يصف الإنجيل ذلك السعي بكلمة واحدة: المصالحة.

وَلكِنَّ الْكُلَّ مِنَ اللهِ، الَّذِي صَالَحَنَا لِنَفْسِهِ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ، وَأَعْطَانَا خِدْمَةَ الْمُصَالَحَةِ، أَيْ إِنَّ اللهَ كَانَ فِي الْمَسِيحِ مُصَالِحًا الْعَالَمَ لِنَفْسِهِ، غَيْرَ حَاسِبٍ لَهُمْ خَطَايَاهُمْ، وَوَاضِعًا فِينَا كَلِمَةَ الْمُصَالَحَةِ.
(2 كورنثوس 18:5-19)

الكلمة اليونانية للفعل من "مصالحة" تعني حرفياً "أن يجعل الشئ عكس ما كان". أي أن المصالحة تربط ما قد انحل، وتصد ثورة التمرد، وتلهب العاطفة الخامدة.
تربت المصالحة على كتف التائه فتجذبه لصراط عودته.
 يخبرنا الطريق إلى الصليب، إلى أي مدى يصل الله ليعيدنا له.
+++
كان إبن عم ذلك الشاب الآبق مقيماً في العاصمة. كان يعمل دورية ليلية في حراسة أحد المنشآت. مقابل جنيهات قليلة سمح لقريبه وفتاته أن يبيتا في شقته ليلاً، لكن في الصباح يتركانها له.
وكم راق ذاك الإتفاق لهما! فقد كانت طموحاتهما وأحلامهما ضخمة. قرر الشاب أن يعمل في إحدى شركات صيانة التكييف، بينما كانت مريم واثقة من أنها ستجد عملاً في متجر ثياب. بالطبع لم تتعد خبرته بالتكييفات أكثر من حفظ اعلانات التكييفات المذاعة على التلفاز، أما هي فلم تكن لها أدنى خبرة بأي عمل كان – ولكن المرء لا يهتم بتفاصيل كتلك حين تثمله الحرية.
 ولكن بعد عدة أسابيع، غيَّر إبن العم رأيه. واليوم ذاته الذي أعلن فيه ذلك الرأي، إتخذ الشاب قراره أيضاً. وبذلك، وجدت مريم نفسها – بدون مقدمات – وحيدة، لتواجه ظلمات ليل العاصمة بلا مأوي  ولا سند.
 فكانت تلك الأولى من ليالٍ كثيرة.
سمعت مريم عن مأوى للمشردات قرب الجسر. لقاء جنيهات قليلة، تحصل على "صحن فول" و "مرتبة". ولم تكن الفتاة تمتلك سوى جنيهات قليلة.
كانت حقيبتها وسادتها وغطاؤها معطف كان – يوماً ما – جميلاً... ولم تتمكن مريم من النوم وسط زحام وضوضاء المأوى، فأدارت وجهها نحو الحائط. وللمرة الأولى منذ أسابيع، استحضرت في مخيلتها وجه أبيها وشاربه ونظارته الطبية. لكنها رفضت أن تبكي حين دمعت عيناها. مسحت دموعها، واودعت الذكرى عميقاً في داخلها. وصممت على عدم  الرجوع.
 فقد وصلت مريم إلى أبعد مدى. مدى لا يمكن من عنده العودة.
صبيحة اليوم التالي، أرتها إحدى فتيات المأوى "رزمة" لا بأس بها من الجنيهات. قالت أنها حصلت عليها من عملها في أحد الملاهي الليلية.قالت أنها حصلت عليها من عملها في أحد الملاهي الليلية.ها من الجنيهات.  اعة على التلفاز, أما هي فلم تكن لها أدنى خبرة بأي عمل كان - زلكن  عام 135م.المتجه للعاصمة.        
قالت الفتاة مبتسمة لمريم: هذا آخر يوم اقضيه في المأوى. معي الآن تكاليف مسكن خاص لي.
ثم: إنهم يريدون فتاة أخرى غيري في الملهى. لِمَ لا تجربين حظك؟ وأخرجت من جيبها علبة ثقاب مكتوب عليها عنوان. هاكِ عنوان الملهى.
اصابت تلك الفكرة مريم بالغثيان - فهي "بنت ناس" على كل حال – ولكنها تمتمت: سأحاول.
قضت مريم بقية الأسبوع هائمة على وجهها في الشوارع، تبحث عن عمل تكسب منه جنيهات قليلة. وعندما انتهى الأسبوع – ومعه نهاية الشهر – وحان موعد دفع أجرة المأوى، أخرجت من جيبها آخر ما كان به.
علبة الثقاب.
قالت لموظف المأوى بنبرة باردة: لن أقضي الليلة معكم ثانية. سلام. واستدارت عائدة للشارع.

للجوع أسلوبه في تليين لإرادة.
+++
الكبرياء والخزي. لن تصدق أنهما أخان. ربما يختلف مظهرهما. فالكبرياء ينتفخ، بينما ينكس الخزي رأسه. يبحث الكبرياء عن الأضواء، بينما يطلب الخزي الإختباء.
ولكن الإثنين من فصيلة واحدة. للإثنين الأثر نفسه. فالإثنان يمنعانك عن الآب.
يقهقه الكبرياء: أنت أفضل من أن تعود إليه. أنت لا تحتاجه.
ويتمتم الخزي: أنت أسوأ من أن تعود إليه. أنت لا تستحقه.
فالكبرياء يدفعك بعيداً، ثم يبقيك الخزي على بعدك.
إن كان كل سقوط يسبقه كبرياء، فالخزي يبقيك ساقطاً.
+++
على الأقل كانت مريم تعرف الرقص.
والآن، رجال في عمر والدها يشاهدون رقصها ومفاتنها.
لم تسغْ تلك الفكرة لها على الإطلاق – فهي لم تفكر فيها. كانت ببساطة تؤدي عملها لتأخذ جنيهاتهم.
ولم يشغل بالها سوى تلك الجوابات. فقد كان إبن العم ذلك يحضرهم. ليس جواباً أو إثنين، بل صندوقاً كاملاً. كلهم لها. كلهم من أبيها.
- أظن أن حبيبك قد أخبر والدك عن عنواني. هذه الجوابات تأتي لي بالثلاثة والأربعة أسبوعياً. عرفي اباك بعنوانك، سيكون هذا أسهل، ليراسلك مباشرة.
لا. لا يمكن أن تعرفه عنوانها، فسيجدها ويعرف ماذا تعمل.
ولا قدرت أن تفتح الجوابات. على أي حال، كانت تتيقن محتواها: أبوها يريدها في البيت.
لكنه لو علم بعملها في ذاك المكان، سيكف حتى عن إرسال الجوابات.
وياللعجب. وجدت ارتياحاً في الإحتفاظ بالجوابات دون أن تقرأها. فلم تقرأها ذلك الأسبوع، ولا الذي تلاه، بل احتفظت بها في خزانتها بحجرتها الملحقة بالملهى، مُرتبين وفق تاريخ ورودهم.
كانت تتلمسهم بأناملها، تمسكهم في يديها – لكنها لم تتحمل ان تفض مظروفاً منهم.
أغلب الأيام، كانت مريم تتمكن من وأد عواطفها. كانت تدفع بذكريات أهلها وأفكار الخزي في نفس الركن من قلبها. لكن، ظهررت أوقات صعبت فيها مقاومة الأفكار.
مثل ذلك اليوم الذي رأت ثوباً معروضاً في متجر. ثوباً كالذي ابتاعه لها أبوها. ثوباً بدا لها قبيحاً يوماً. على مضض وبعد عناء ارتدته ووقفت مع أبيها أمام المرآة. داعبها أبوها: رباه! ها قد ناهزتِ طولي! وتصلبت حين لمسها لمسة حانية على كتفها.
أواه. لو تستطيع لارتدت ألف فستان لتستشعر لمسته ثانية! فرت مريم من أمام المحل وقررت عدم المرور من ذاك الشارع ثانية.
مرت الأيام، وحل الخريف، وتساقطت أوراق الشجر. ظل بريدها الأسبوعي كما كان، واشتكى إبن العم، وفاضت الجوابات في الخزانة. ولا زالت الفتاة على رفضها أن تراسل أباها.ورفضت أن تفض مظروفاً من العشرات التي لديها.
وأخيراً، قبل عيد الميلاد المجيد بأيام قلائل، وصل جواب آخر. نفس الحجم. نفس اللون. ولكن بدون الطابع البريدي. ولم يحضره إبن العم. كان الجواب موضوعاً على مائدة. مائدة في الحجرة. الملحقة بالملهى الليلي.
حين رأت احدى الراقصات زميلات مريم الدهشة البادية على وجهها، قالت لها: لقد أحضره رجل ضخم قوي البنية له شارب ويرتدي نظارة طبية. سألني إن كانت هذه حجرة الراقصة مريم. طلب مني أن أتأكد من حصولك على هذا الجواب. قال أنك ستفهمين الرسالة.
- هل جاء هنا. إلى الحجرة؟
- نعم. وإلا فكيف قابلته؟
 هامت الدنيا بالفتاة البائسة. فضت مريم المظروف وأخرجت كارت. وقرأت...
"أنا أعرف مكانك... أعرف ما تعملين وكيف تعيشين... لا يغير  هذا مشاعري تجاهك...
فما قلته في كل جواب سابق لم يتغير."
- لكنني لا أعرف ماذا قلت!؟. وسحبت جواباً من خزانتها وقرأته. ثم آخراً. فآخراً. ففي كل جواب قرأت نفس الجملة. كل جملة كانت تسأل نفس السؤال.
وبعد دقائق، تغطت الأرض بالورق ووجهها بالدموع الساخنة.
بعد ساعة، كانت مستقلة القطار. "ربما أصل في الميعاد المناسب."
 وبالكاد وصلت في الميعاد.

كان الأقارب على وشك الرحيل. وقف يوسف في المطبخ يناقش أمه في أمر ما بعيداً عن صخب وضحكات اخوته بالخارج، حين نادته أخته من الخارج، حيث خيم صمت مطبق بغتة. "يوسف، هنالك من يطلب رؤيتك."
خرج يوسف من المطبخ، ليتسمر في مكانه. كانت الفتاة مريم واقفة، في يد حقيبتها، وبالأخرى كارت. وقرأ يوسف التساؤل في عيني إبنته.
- الإجابة بلى يا أبي. لو أن الدعوة سارية إلى الآن، فالإجابة بلى!
 لمع وجه يوسف بدمعه :يا إلهي. نعم. سارية. الدعوة جد سارية!
 وبهذا إتجه الإثنان إلى فسحة على الأرض، حيث كانت تماثيل ملونة صغيرة مكومة وقد كساها الغبار، وأخذا في نفضها وترتيبها.
 وقرب الباب، على الأرض جوار حقيبة سفر متهرئة، كان كارت مكتوب عليه إسم مريم وسؤال أبيها:
"ألا عدتِ إلى البيت لترتبي المزود مع بابا ثانية؟"

 +++


8. سأكسيكَ بثوبي - الوعد الإلهي في قميص المصلوب


 فَإِنَّ الْمَسِيحَ أَيْضًا تَأَلَّمَ مَرَّةً وَاحِدَةً مِنْ أَجْلِ الْخَطَايَا، الْبَارُّ مِنْ أَجْلِ الأَثَمَةِ، لِكَيْ يُقَرِّبَنَا إِلَى اللهِ، مُمَاتًا فِي الْجَسَدِ وَلكِنْ مُحْيىً فِي الرُّوحِ.
(1 بطرس 18:3)




بدا جلياً تعنت المسئول على رأيه. ما كان يعنيه أن هذا شهر العسل للعروسين. وما كان يهمه أن الدعوة للعشاء ذلك كانت هدية للعروسين من الأهل والأصدقاء. وما كان يعني له شئ أن العروسين صاما عن وجبة الغذاء كي يستغلوا ذاك العشاء الفخم خير إستغلال.
تضاءل واضمحل كل ذلك – بالنسبة للمسئول – أمام عائق جسيم واحد.
لم يكن الزوج السعيد مرتدياً بذلة رسمية.
لم يكن للعريس علم سابق بأهمية الزي الرسمي في المطعم الفاخر. فقد ظن قميص نطيف ورابطة عنق زرقاء جديدة كفيلين بالأمر. لكن هذا الرجل ذا رابطة العنق السوداء كان صارماً في تطبيق قواعد المكان.
وما كان أمام الزوجين خيار آخر. الوقت متأخر وأغلب المطاعم إما مغلقة أو مزدحمة وفرحة شهر العسل متلألئة. فقال العريس بإنكسار: من فضلك، تصرف.
تحول المسئول بنظراته بين الرجل وزوجته، ثم قال بضجر مفتعل: حسناً. إمهلني دقائق.
اختفى المسئول، وعاد بجاكيت. "إرتدِ هذا". أطاع الزوج الأمر. كانت الأكمام قصيرة والأكتاف ضيقة واللون ليمونياً مائلاً للاخضرار. ولكنه لم يشتكِ. فقد أمسى ومعه بذلته الرسمية. وارشدهما المسئول لمائدتهما، متمنياً لهما الهناء والشفاء.
ورغم كل صعاب الأمسية، فقد هنئا بعشاء رائع. وتعلما درساً جليلاً.
لم يكن للعريس سوى احتياجه للجاكيت. والمسئول لم تسمح له خلجات قلبه الطيب أن يرد العروسين، ولكن حسه المسئول وإخلاصه لدوره يحتم عليه ألا يتغاضى عن مقاييس المكان.
ولهذا، نفس الشخص الذي كان يطالب العريس بالبذلة وهبها له، ومنحهما مكانهما في الحفل.
أليس هذا ما جرى عند الصليب؟
ليس لدى الله أماكن لغير "المهندم". ولكن مَنْ منا ينافي هذا الوصف؟
سلوكيات غير مروضة. الحق مهمل. لا يوجد اهتمام خالص بالبشر. لباسنا الروحي رث.
نعم، المستوى المطلوب للجلوس إلى مائدة الله رفيع، لكن محبة الله لأبنائه أعلى.
فقدم لنا هدية.
لم يقدم جاكيت ليموني بل ثوباً. ثوب ارتداه إبنه الوحيد الجنس يسوع.
لم يذكر الكتاب المقدس الكثير عن ثياب يسوع المسيح. نعرف ما ارتداه يوحنا المعمدان. تصف التوراة ملابس رجال الدين بالتفصيل. ولكن ثياب المسيح لم يأتِ لها ذكر؛ فلا هي متواضعة تثير الشفقة ولا هي مترفة تحرك الأحقاد.
ولكننا نجد لمحة عن قميص المسيح جديرة بالذكر:


ثُمَّ إِنَّ الْعَسْكَرَ لَمَّا كَانُوا قَدْ صَلَبُوا يَسُوعَ، أَخَذُوا ثِيَابَهُ وَجَعَلُوهَا أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ، لِكُلِّ عَسْكَرِيٍّ قِسْمًا. وَأَخَذُوا الْقَمِيصَ أَيْضًا. وَكَانَ الْقَمِيصُ بِغَيْرِ خِيَاطَةٍ، مَنْسُوجًا كُلُّهُ مِنْ فَوْقُ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ:"لاَ نَشُقُّهُ، بَلْ نَقْتَرِعُ عَلَيْهِ لِمَنْ يَكُونُ".  
(يوحنا 23:19-24)
وهذا كل ما نعرفه عن كسوة المسيح؛ أن القميص كان بلا خياطة منسوجاً من فوق لتحت.
لمرنم الشريراضع.. أن لسيح.من فوقكثيراً ما يصور الكتاب المقدس صفاتنا وخصالنا وكأنها ثيابنا. فنسمع بطرس الرسول موصياً إيانا أن "تَسَرْبَلُوا بِالتَّوَاضُعِ" (1 بطرس 5:5). ويذم المرنمُ الشريرَ الذي "وَلَبِسَ اللَّعْنَةَ مِثْلَ ثَوْبِهِ" (مزمور 18:109). فكانت ثياب يسوع ترمز لشخصه؛ بلا خياطة. شخصية متناسقة. موحدة. كمال غير منقطع.
مَنْسُوجٌ كُلُّهُ مِنْ فَوْقُ. فقد كان يسوع مقوداً بإرادة أبيه. وهذا ما قاله بلسانه: "لاَ يَقْدِرُ الابْنُ أَنْ يَعْمَلَ مِنْ نَفْسِهِ شَيْئًا إِلاَّ مَا يَنْظُرُ الآبَ يَعْمَلُ. لأَنْ مَهْمَا عَمِلَ ذَاكَ فَهذَا يَعْمَلُهُ الابْنُ كَذلِكَ" (يوحنا 19:5)، و "أَنَا لاَ أَقْدِرُ أَنْ أَفْعَلَ مِنْ نَفْسِي شَيْئًا. كَمَا أَسْمَعُ أَدِينُ، وَدَيْنُونَتِي عَادِلَةٌ، لأَنِّي لاَ أَطْلُبُ مَشِيئَتِي بَلْ مَشِيئَةَ الآبِ الَّذِي أَرْسَلَنِي" (يوحنا 30:5).
كانت شخصية يسوع بلا "خياطة"، نسيجها من السماء للأرض. من تدبير الآب لأعمال الإبن. من رأفة الآب لذبيحة الإبن. من إرادة الآب لكلمات الإبن. صورة واحدة كلية.
ولكن حينما سُمِّرَ المسيح بالصليب، وضع عنه رداء الكمال وتقلد مسوح الإهانة والخزي.
خزي العري. معرى أمام أمه وأحبائه ومهان أمام قومه.
خزي الفشل. فلساعات بطيئة أليمة، عاش رؤساء الكهنة دور المنتصرين، وظهر المسيح مغلوباً، مخزياً أمام متهميه.
والأسوأ، لفَّ المسيحَ خزيُ الخطية. "الَّذِي حَمَلَ هُوَ نَفْسُهُ خَطَايَانَا فِي جَسَدِهِ عَلَى الْخَشَبَةِ، لِكَيْ نَمُوتَ عَنِ الْخَطَايَا فَنَحْيَا لِلْبِرِّ" (1 بطرس 24:2).
وماذا عن غطاء المسيح على صليبه؟ الخطية – خطية البشرية جمعاء.
ببساطة، كان المسيح على الصليب تجسيداً لمعنى العار.
كان الصليب عقاباً بدنياً ومعنوياً. فقد كان الإعدام صلباً حكراً على أحط المعاقَبين: العبيد والأجانب إلخ. كان المتهم يساق في طرقات المدينة حاملاً عارضة صليبه على أكتافه، وتتدلى من عنقه لائحة بجريمته والحكم عليه. وعند موقع الصلب خارج المدينة يُعرى المتهم ويُنَّفذ الحكم.
لقد بات الصليب كريهاً حتى أن شيشرون الروماني كتب فيما كتب: "ليكن اسم الصليب بعيداً، ليس عن بدن الروماني فحسب، بل بالأحرى عن أفكاره وعينيه وأسماعه" (بتصرف).
ولم يكن المسيح مهاناً أمام الناس فقط، بل ذا موقف مشين أمام السماء. ولأنه حمل خطية القاتل والزاني، فقد نخسته رعدة القاتل وخزي الزاني. ومع أنه لم يكذب البتة إلا أنه في تلك الساعة خبر ارتباك الكاذب، ورغم أنه لم يغش مرة في حياته إلا أنه أحس خجل الغاش. فقد ذاق مرارة عار خطية العالم أجمع. فلا عجب إذاً حين نقرأ قول كاتب رسالة العبرانيين عن عاره الذي نحمله (عبرانيين 13:13).
فمتى كان يسوع على الصليب، أحس بعار وخزي المجرم، واختلجت نفسه بالإنزعاج الذي يؤرق كل مذنب.
لم يكن يسوع مذنباً ولا خاطئاً ولا  استحق الموت. أما أنا وأنت فأخطأنا واستحققنا الموت. لقد كنا في نفس موقف العروسين إياهم... فلم يكن لنا ما نقف به أمام الآب غير صلوة مرتجفة.
أما يسوع  فقد جاوز ما وصل إليه مسئول المطعم. أتتخيل أن يتجرد ذاك الرجل من معطف بذلته الرسمية فيلفه على كتف العريس المحتاج؟
هذا ما عمله يسوعنا. وبدلاً من جاكيت ليموني اللون ضيق، كسانا برداء نعمته؛ طهارة بلا شوائب. "اَلْمَسِيحُ افْتَدَانَا مِنْ لَعْنَةِ النَّامُوسِ، إِذْ صَارَ لَعْنَةً لأَجْلِنَا" (غلاطية 13:3)، فتدثر بخطاينا كي يلبسنا بره.
ورغم أننا قَدَمْنا إلى الصليب لابسين الخطية، إلا أننا نرحل عنه وقد اكتسينا بالبر كدرع (إشعياء 17:59)، متمنطقين بالبر (إشعياء 5:11)؛ إذ أن المصلوب قد ألبسنا ثياب الخلاص ورداء البر (إشعياء 10:61).
آمين! نرحل من لدن الصليب وقد لبسنا المسيح. "لأَنَّ كُلَّكُمُ الَّذِينَ اعْتَمَدْتُمْ بِالْمَسِيحِ قَدْ لَبِسْتُمُ الْمَسِيحَ" (غلاطية 27:3).
فلم يكفه أن يعد الوليمة.
ولم يكفه أن يحفظ لك مكاناً.
لم يكفه أن يغطي التكاليف ويعد وسيلة الإنتقال.
بل أكثر. لقد ألبسك ثيابه ليكسيك هندامه.
ففعل ذلك، لأجلك. إذ أن المصلوب قد ألبسنا ثياب الخلاص ورداء البر (إش10:61).

- يتبع - 

بقلم: ماكس لوكيدو
تعريب: افرايم القس بنيامين مرجان






 الآب غير صلوة مرتجفة.

الاثنين، 9 أبريل 2012

إختار المسامير - قراءات لأسبوع الآلام، الحلقة الثالثة



5. سأحادثُك بلغتِك - الوعد الإلهي في العنوان المعلق على الصليب



وَكَتَبَ بِيلاَطُسُ عُنْوَانًا وَوَضَعَهُ عَلَى الصَّلِيبِ. وَكَانَ مَكْتُوبًا:"يَسُوعُ النَّاصِرِيُّ مَلِكُ الْيَهُودِ."
(يوحنا 19:19)

إِذًا الإِيمَانُ بِالْخَبَرِ، وَالْخَبَرُ بِكَلِمَةِ اللهِ.
(رومية 17:10)


 كنت اعرف أهمية قراءة "الإشارات الزوجية" قبل زواجي بزمن.
حكيم هو الرجل الذي يتعلم لغة زوجته الصامتة، ويميز مكنونات الإيماءة والإشارة.
ليس فقط ما تقوله الزوجة شفاهة، ولكن كيف تقوله. ليس فقط كيف، ولكن متى. ليس فقط متى، بل أين. الزوج المثالي هو ذاك الذي يجيد فك الشفرات. ينبغي أن تقرأ الإشارات والعناوين.
كم توهمت في نفسي تلك الإجادة. خاب ظني للأسف.
لم يكن قد مضى الكثير على زواجي، وكان ضيفاً مقيماً لليلة في دارنا.
حين ألمَّتْ زوجتي بالخبر، أعطتني علامة. علامة شفوية: من الأفضل أن ننظف الشقة. الجمعة مساء، صدرت علامة أخرى. علامة معنوية؛ جثت على ركبتيها وأخذت تفرك الأرض بالماء والصابون. الحمد لله والشكر لبديهتي المتقدة، نسقت العلامتين جنباً إلى جنب، فوضعت عني الجريدة، وقمت عن الأريكة.
"أي مساعدة لي أن أقدمها؟" طبعاً – ولأنني الرجل – فقد تنازلت لها عن توافه الأعمال من كنس ومسح، سعياً وراء مهمة بها التحدي والقوة. ووجدت ضالتي ملياً: سأملأ بروازاً بالصور! فمن بين الهدايا القليلة التي وصلتنا لزواجنا، كانت البراويز (الهدية التقليدية لكل المناسبات!). فانتقيت بروازاً لفتني حجمه الكبير، إذ أنه يتسع لما يفوق الخمس عشرة صورة، وشرعت في مهمتي. وبينما كانت زوجتي "تدعك" الأرضية ورائي وفراش غير مرتب إلى جانبي، مددت الصور أمامي.
فاتني فهم العلامة. حين سألتني زوجتي – وبنبرة مريبة – عما أنا بصدده، أجبت مفتخراً: لا شئ. لا تقلقي علي. أنا املأ بروازاً. لم تتفوه حرمي بكلمة لما يزيد على النصف ساعة من بعد ذلك. ولا مشكلة! افترضتها ترفع صلوات شكر قلبية ارتجالية لله، حمداً له على زوج لطيف نبيه مثلي. فقد تخيلتها تبتهل قلبياً: يا رب ضع في قلبه أن يُضَّمِن تلك الصور لقطات الخطوبة.
أول علامة أوحت لي أن شيئاً ليس على ما يرام ظهرت حين قالت لي زوجتي – بعد تنظيف الشقة كاملة وحدها – "عمت مساء. إنني جد حزينة. سأحدثك غداً بإذن الله."

أحياناً تفوتنا العلامات (إلى الآن، هنالك قارئ ساذج برئ القلب يتساءل في هدوء: ولِمَ غضبَتْ حقاً؟ ستتعلم يا صديقي... ستتعلم).


مصمم مصيرنا ملم تمام الإلمام بغلاظة قلوبنا. يعلم الله أن علاماته وإشاراته لنا تفوتنا بين الحين والآخر. فقد يكون هذا سبب علاماته العديدة لنا؛ قوس قزح بعد الطوفان علامة عهده. الختان علامة إثبات شخصية شعبه المختار، والنجوم تصور حجم عائلته. وإلى الآن، نرى علامات في الكنيسة: التناول لذكرى موته وقيامته، والمعمودية للميلاد الجديد. كل من هذه العلامات الحسية يبوق لحقيقة روحية أجَلّ.
وأقوى العلامات تأثيراً كانت على الصليب. علامة ثلاثية اللغات، يدوية الكتابة رومانية التكليف.

وَكَتَبَ بِيلاَطُسُ عُنْوَانًا وَوَضَعَهُ عَلَى الصَّلِيبِ. وَكَانَ مَكْتُوبًا:"يَسُوعُ النَّاصِرِيُّ مَلِكُ الْيَهُودِ". فَقَرَأَ هذَا الْعُنْوَانَ كَثِيرُونَ مِنَ الْيَهُودِ، لأَنَّ الْمَكَانَ الَّذِي صُلِبَ فِيهِ يَسُوعُ كَانَ قَرِيبًا مِنَ الْمَدِينَةِ. وَكَانَ مَكْتُوبًا بِالْعِبْرَانِيَّةِ وَالْيُونَانِيَّةِ وَالّلاَتِينِيَّةِ. فَقَالَ رُؤَسَاءُ كَهَنَةِ الْيَهُودِ لِبِيلاَطُسَ: "لاَ تَكْتُبْ: مَلِكُ الْيَهُودِ، بَلْ: إِنَّ ذَاكَ قَالَ: أَنَا مَلِكُ الْيَهُودِ!". أَجَابَ بِيلاَطُسُ:"مَا كَتَبْتُ قَدْ كَتَبْتُ". (يوحنا 19:19-22)

لماذا عُلِّقَ عنوان كذلك أعلى رأس المسيح الصلوب؟ ولماذا أثار النص حفيظة اليهود؟ لِمَ رفض بيلاطس تعديل كتابته؟ ولماذا كُتِبَت بثلاث لغات؟ لِمَ ذُكِرَت في الأربعة أناجيل؟ من كل الإجابات المتاحة لتلك الأسئلة، فلنركز على واحدة. أيمكن أن تكون تلك الخشبة علامة على إخلاص الله؟ رمزاً لإصراره على إعلان إبنه للعالم كله؟ تذكرةً بأنه لن يترك أسلوباً أو وسيلة إلا واستغله لإخبارك بمضمون ذلك العنوان؟ فبرأيي أن تلك العلامة تزيح النقاب عن حقيقتين بخصوص إرادة الله في التواصل مع خليقته الإنسان.
لا يوجد إنسان إلا وسيستخدمه

أرجو ملاحظة النتيجة الفعالة التي أتت بها العلامة. أتتذكر قول اللص ديماس؟ قبيل دقائق من نياحته، ووسط إعصار من الألم، يلتفت ضارعاً: "اذْكُرْنِي يَارَبُّ مَتَى جِئْتَ فِي مَلَكُوتِكَ" (لوقا 42:23).
إنها عبارة غريبة في صياغتها. لم يتوسل اللص قائلاً "انقذني" ولا "ارحم نفسي". كانت صرخته صرخة مملوك لمليكه.
فلِمَ ذكر ديماس ملكوت يسوع المسيح المصلوب جواره؟ ربما سمع عظاته. ربما سمع ما قالع عن أنه ابن الله. وربما – وهذا الأرجح – قرأ العلامة: يسوع الناصري ملك اليهود.

يبدو لوقا البشير وكأنه يربط بين قراءة العلامة واستنجاد اللص بالمسيح. ففي فقرة يقول: "كَانَ عُنْوَانٌ مَكْتُوبٌ فَوْقَهُ بِأَحْرُفٍ يُونَانِيَّةٍ وَرُومَانِيَّةٍ وَعِبْرَانِيَّةٍ:"هذَا هُوَ مَلِكُ الْيَهُودِ" (لوقا 38:23)، وتليها بأربع آيات خاطفة طلبة اللص: "اذْكُرْنِي يَارَبُّ مَتَى جِئْتَ فِي مَلَكُوتِكَ".
يدرك ديماس اللص أنه في حضرة مَلَكِية. يلتفت فيقرأ بياناً ملكياً ويطلب عوناً ملكياً.
ولوأن هذه حقيقة ما حدث فعلاً، إذاً فقد كانت هذه العلامة التي سطرها بيلاطس أول وسيلة لإعلان رسالة الصليب. وبسب العلامة، نجت نفس بشرية وخلصت.
 لا أعلم إن كانت الملائكة تجري حواراً interview  لدخول السماء، ولكنه من الطريف أن نتخيلها.


يصل اللص إلى مركز السماء للتعبئة والإحصاء.

الملاك: اجلس من فضلك. سيد... ديماس. أيمكن أن تعطيني فكرة سريعة عن كيفية نوالك الخلاص؟
ديماس: صراحة، لم أزد على طلبي من يسوع أن يذكرني في ملكوته. حقاً، لم أتوقع أبداً هذه السرعة!
الملاك: حسناً. وكيف عرفت أنه ملك؟
ديماس: صدقت علامة مثبتة أعلى رأسه "يسوع الناصري ملك اليهود"... وها أنا!
الملاك (يكتب في ملف): صدق... علامة...
ديماس: صحيح. وأظن مَتَّى هو من علقها؟
الملاك: لا أعتقد.
ديماس: إذاً ربما كان برثلماوس؟
الملاك: لم يكن برثلماوس.
ديماس: إذاً فأي التلاميذ علقها؟
الملاك: حقيقةً، العلامة فكرة بيلاطس.
ديماس: غير معقول!! بيلاطس؟!
الملاك (مبتسماً): لا تتعجب هكذا. لقد دعا الله موسى من عليقة، واقنع بلعام بحمارة. ولفتاً لإنتباه يونان استعمل الله سمكة ضخمة! فلا يوجد مخلوق أو إنسان إلا وسيستخدمه. حسناً. هذا كل شئ (يختم ورقاً ويوقع آخراً) خذ هذه الأوراق إلى الشباك الرابع على يسارك. فقط اتبع العلامات المعلقة.

لم يهدف بيلاطس لنشر البشارة بما كتبه، بل كانت علامته تلخيصاً لرأيه: هاكم مصير ملك اليهود. هذا ما نفعله به نحن الرومان. ملك هذه الأمة عبد، لص مصلوب. فما أدراكم رعاياه؟
ولكن القصد الإلهي اختلف. فكان بيلاطس أداة الله لنشر البشارة. ودون وعي منه، صار بيلاطس كاتب السماء، آخذاً الإملاء من الله مسجله على لافتة خشبية. وبدَّلت اللافتة مصير قارئ.
لا يوجد إنسان إلا وسيستخدمهتعمل الله سمكة ضخمة!بحمارة.لناصري ملك اليهود"بيلاطس أول وسيلة لإعلان رسالة الصليب.
 أما الحقيقة الثانية:
ليس من لغة إلا وسيتكلمها
كان بوسع كل مار أمام الصليب أن يقرأ ويفهم العلامة، فكل مارٍ يلم باليونانية أو الرومانية أو العبرانية أو الثلاث – اللغات العظمى في العالم القديم.
فكانت العبرانية لغة إسرائيل، لغة الدين، والرومانية لغة الرومان، لغة الدولة، واليونانية لغة الإغريق، لغة الفكر. وأُعلِنَ المسيح ملكاً في الثلاث.
خص الله كل طرف بالرسالة. المسيح هو الملك. تعددت اللغات والخبر واحد. ولأن المسيح ملك لكل الناس، جاءت الرسالة – وجوباً – بكل اللغات.
لا توجد لغة إلا وسيتكلمها. مما يطرح تساؤلاً: أي لغة تسمعها من الله؟ لا أقصد لهجة أو أخرى، بل الدراما اليومية لحياتك.
الله يتكلم ويحدثنا بأي لغة لنفهمه.
فحيناً يُسمِعُكَ "لغة الوفرة". أشبعان أنت؟ أمسددة فواتيرك وخالصة ديونك؟ أفياض جيبك "فكةً"؟ إذاً فخذ هذه الآية نبراساً: "وَاللهُ قَادِرٌ أَنْ يَزِيدَكُمْ كُلَّ نِعْمَةٍ، لِكَيْ تَكُونُوا وَلَكُمْ كُلُّ اكْتِفَاءٍ كُلَّ حِينٍ فِي كُلِّ شَيْءٍ، تَزْدَادُونَ فِي كُلِّ عَمَل صَالِحٍ" (2 كورنثوس 8:9).
هل يخاطبك الله بلغة الوفرة؟ أم أنك تسمع لسان الاحتياج؟ يلجأ الله لهذا اللسان أحياناً. فربما نعجز عن فهم مضمون اللغة الأولى.
وقد تسمع أيضاً لغة الألم. كثيراً ما نتفادى هذه اللغة، ولكنها أبلغ لغة يوصل الله لنا بها مكنونات عقله، فندرك معانيها في أروقة المستشفيات وعلى أسِرَّة المرض، لأن لغة الألم أوضح لغة نفهم بها الله!
ينطق الله بكل اللغات – أي بما فيهم لغتك. ألم يقل: "أُعَلِّمُكَ وَأُرْشِدُكَ الطَّرِيقَ الَّتِي تَسْلُكُهَا. أَنْصَحُكَ. عَيْنِي عَلَيْكَ" (مزمور 8:32)؟ ألم يحثنا الكتاب: "اقْبَلِ الشَّرِيعَةَ مِنْ فِيهِ، وَضَعْ كَلاَمَهُ فِي قَلْبِكَ" (أيوب 22:22)؟
أي اللغات تسمعها الآن من الله؟

إنه شئ أن يفوتك فهم علامة من حرمك عن تهذيب حجرة.
شئ آخر – تماماً – أن تفوتك علامة من الله عن مصير أبديتك.
 در أن يزيدكم كل نعمة, لكي تكونوا ولكم كل اكتفاء كل حين في كل شئ,  الآية نبراساً:
غة الإغريق؛ لغة الفكر...وأُعلِنَ المسيح ملكاً
+++

6. تركتُ لك حرية الإختيار - الوعد الإلهي في الصليبين


حَيْثُ صَلَبُوهُ، وَصَلَبُوا اثْنَيْنِ آخَرَيْنِ مَعَهُ مِنْ هُنَا وَمِنْ هُنَا، وَيَسُوعُ فِي الْوَسْطِ.
(يوحنا 18:19)


تمهيد:
ربما سمع البعض منا عن الرئيس الأمريكي ابراهام لينكون، ذاك الذي اشتهر بما قام به لمنع الرق قانوناً في بلاده.
تولى لينكون الرئاسة الأمريكية عام 1861 إلى أن اغتاله رمياً بالرصاص الشاب جون بوث في مسرح فورد بواشنطون في أبريل 1865.
القصة التالية حقيقية، وقد ارتأيت التمهيد السابق ضرورياً لتفهم أبعاد هذه القصة.
+++
ادوين بوث. من علامات المسرح الأمريكي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. ذاك الرجل، بصوته الجهوري، بات بلا منافس.
ظهرت موهبته الفطرية لأدوار شيكسبير جلية حين قدم دور ريتشارد الثالث عند سن الخامسة عشرة.
عرض هاملت مائة ليلة متتالية في نيويورك.
اقتنص في لندن رضا النقاد الإنجليز المتشددين. باختصار، كان ادوين بوث رب التراجيديا المسرحية الأوروبية.
وعن تراجيديا الحياة. انطبق عليه الوصف ذاته.
كان لإدوين شقيقان: جون وجونيوس. كان الاثنان ممثلين، وإن لم يرتقيا لقامة أخيهما. عام 1863، وحّد الثلاثة قدراتهم الفذة مقدمين يوليوس قيصر.
في تلك المسرحية، جسّد الأخ جون دور بروتوس قاتل يوليوس قيصر.
وفي مسرح فورد عام 1865، لعب جون دور الاغتيال، ضارباً الرئيس الأمريكي بطلقة في أم رأسه.
انقلبت حياة ادوين رأساً على عقب جريمة شقيقه. حمله الخزي على اعتزال المسرح. وربما ما كان له أن يعود لفنه، لولا موقف عارض في محطة قطارات نيوجيرسي.
وقف ادوين يترقب وصول أحد معارفه، وإذ به يرى شابا في الزحام وقد إختل توازنه ليسقط بين الرصيف والقطار المتحرك. بلا تردد، ارتمى ادوين أرضاً، جاذباً الشاب إلى الأمان. وما أن جمع الشاب شتات أفكاره بعد تلك الصدمة، حتى تعرف على الممثل الذائع صيته، فشكره ممتناً بدماثة أخلاق، وانصرف كلٌ لحال سبيله.
ادوين، على العكس، لم يتعرف الشاب. إلى أن حدث ذاك بعد أسابيع، حين تلقى الممثل خطاباً من رئاسة الجمهورية ذاتها، شاكراً جميل صنعه، إذ أنقذ إبن بطل قومي أمريكي من موت محقق.
إسم الشاب؟
روبرت ابراهام لينكولن!
ادوين وجون بوث. نفس الأب والأم والهواية والمهنة – ويختار أحدهما الحياة والآخر الموت. ورغم أن القصة درامية، إلا أن تناقض أفكارها ليس فريداً من نوعه:

هابيل وقايين. إبنا آدم. يختار هابيل الله، ويختار قايين القتل. والله يسمح.
ابراهيم ولوط. تائهان في كنعان. يختار ابراهيم الله، ويختار لوط سدوم. والله يسمح.
داود وشاول. ملكان ممسوحان لبني إسرائيل. يختار داود الله، ويختار شاول السُلطَة. والله يسمح.
بطرس ويهوذا. أنكر الإثنان ربهما. طلب بطرس الغفران، ويختار يهوذا الموت. والله يسمح.
عبر دهور التاريخ، وعلى كل صفحة من صفحات الكتاب المقدس، تتلألأ تلك الحقيقة جلية: يترك الله لنا حرية الإختيار.
وما من أحد يعرض علينا خيرَ الاقتراحات لذاك الاختيار أوضح من السيد المسيح.
فعلى حد قوله، لنا أن نختار:
  • باباً واسعاً أو باباً ضيقاً (متى 13:7-14)
  • طريقاً واسعاً أو طريقاً ضيقاً (متى 13:7-14)

ويمكننا أن نختار:
  • البناء على الصخر أو على الرمل (متى 24:7-27)
  • خدمة الله أو خدمة المال (متى 24:6)
  • أن نحصى مع الجياد أو مع الخراف (متى 32:25-33)

فَيَمْضِي هؤُلاَءِ (الذين رفضوا الله) إِلَى عَذَابٍ أَبَدِيٍّ وَالأَبْرَارُ إِلَى حَيَاةٍ أَبَدِيَّةٍ (متى 46:25).

يعطي الله خيارات أبدية، فهي خيارات عواقبها أبدية.
ألا يذكرنا هذا بالصليب؟ بثلاثية الإقرانيون؟ أما تساءلت عن المغزى وراء الصليبين القائمين بجانب المسيح؟ لمَ لمْ يكونوا ستة أو عشرة؟ ولماذا رُفِعَ يسوع في المنتصف؟ لمَ لمْ يكن على أقصى اليمين أو اليسار؟ أيكون الصليبان على الجبل رمزاً لعطية من أعظم عطايا الله للإنسان؟ عطية الاختيار؟
كم كانت كثيرة أوجه الشبه بين اللصين: نفس التهم. نفس الحكم. نفس العقوبة. كانا محاطين بنفس الجمع. على نفس المسافة من المسيح عينه. حتى لقد بدأ الإثنان بالسخرية ذاتها من المسيح: "وَبِذلِكَ أَيْضًا كَانَ اللِّصَّانِ اللَّذَانِ صُلِبَا مَعَهُ يُعَيِّرَانِهِ" (متى 44:27).

لكن أحدهما تغير.
وَكَانَ وَاحِدٌ مِنَ الْمُذْنِبَيْنِ الْمُعَلَّقَيْنِ يُجَدِّفُ عَلَيْهِ قَائِلاً:"إِنْ كُنْتَ أَنْتَ الْمَسِيحَ، فَخَلِّصْ نَفْسَكَ وَإِيَّانَا!" فَأجَابَ الآخَرُ وَانْتَهَرَهَُ قَائِلاً:"أَوَلاَ أَنْتَ تَخَافُ اللهَ، إِذْ أَنْتَ تَحْتَ هذَا الْحُكْمِ بِعَيْنِهِ؟ أَمَّا نَحْنُ فَبِعَدْل، لأَنَّنَا نَنَالُ اسْتِحْقَاقَ مَا فَعَلْنَا، وَأَمَّا هذَا فَلَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ". ثُمَّ قَالَ لِيَسُوعَ:"اذْكُرْنِي يَارَبُّ مَتَى جِئْتَ فِي مَلَكُوتِكَ". فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ:"الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنَّكَ الْيَوْمَ تَكُونُ مَعِي فِي الْفِرْدَوْسِ" (لوقا 39:23-43).
لقد قيل الكثير عن طلبة ذلك التائب. ولكن، في غمرة فرحتنا بمن تغير، أننسى ذاك الذي لم يتب؟
ماذا عنه يا ربي المصلوب؟ لماذا لم تدعه دعوة شخصية مثل متى العشار وزكا؟ فأنت يا ربي حتى لم توجه له ولو كلمة واحدة!
ألا يترك الراعي التسعة والتسعين بحثاً عن واحد ضال؟ ألم تكنس ربة البيت الدار كله بحثاً عن درهم واحد مفقود؟ بلى، يترك الراعي القطيع كله، وتكنس ربة البيت الدار كاملاً. لكن -  تذَكَّرْ- أبا الضال لا يفغل شيئاً.
تاه الخروف لسذاجته وجهله بالطريق.
فُقِدَ الدرهم لإهمال صاحبته.
أما الإبن الضال فغادر بيته بإرادته.
وكما أعطاه أبوه الاختيار، أعطى يسوع اللصين نفس الإختيار.

فهنالك أوقات يرعد لنا الله ليحركنا. وأحياناً يمطرنا ببركاته ليغرينا.
ولكن أحياناً يرسل الله الصمت. يسكت الله إكراماً لنا، تاركاً لنا حيثية قضاء أبديتنا.
ويا لها من كرامة! في مساحات شاسعة من حياتنا ليس لنا اختيار. فكرْ في هذا. لم تختر أخواتك أو إخوتك. لم تختر شعبك أو مسقط رأسك.
قد يغضب هذا البعض منا، فيتذمر: هذا ظلم. ظلم أني وُلِدتُ في فقر أو أن صوتي خشن أو أنفي كبير. ولكن، منذ قديم الأزل، ترجح موازين الحياة كفة العدل، حين غرس الله تلك الشجرة في جنة عدن. بطلت كافة الشكاوى حين وهب الله آدم ونسله حرية الإختيار، حرية إتخاذ أي قرار أبدي.
أي شئ يبدو لنا في هذه الحياة ظلماً يقابله كرامة اختيار مصيرنا في الآخرة.
ألا توافقني؟ أتريد عكس ذلك؟ فتختار أنت كل ما يتعلق بهذه الحياة، ويختار هو أبديتك. تختار أنت لون شعرك و بنيتك البدنية وتركيبة حامضك النووي، بينما يختار الله حيثية قضائك الأبدية؟ أهذا ما تفضله؟
ما أجمله من اختيار، لو ترك الله لنا حرية انتقاء تفاصيل حياتنا كما نطلب وجبة جاهزة! أنا عن نفسي سأطلب الصحة الحديدية والذكاء الخارق. لا تهمني الموهبة الموسيقية، وإن لن يضيرني وجودها. ما أجملها من حياة! ولكن هذا لم يحدث. فلم يعطك الله العديد من الاختيارات بشأن حياتك الأرضية.
ولكن عن الحياة بعد الموت، الحياة الأبدية، تُرِكَت لك حرية الإختيار.
هل أُعطينا نعمة أعظم من نعمة الإختيار؟ توازن هذه الميزة أي ظلم. ليس هذا فقط، بل إنها توازن أي أخطاء.
فكرْ في ذلك اللص الذي تاب. رغم أننا لا نعرف سوى القليل عنه، إلا أن ذلك القليل يُعَرِّفنا:
أنه ارتكب أخطاء جسيمة في حياته. اختار الأخلاقيات الخاطئة والصحبة الخاطئة. ولكن حاشا القول أن حياته مهدرة! هل يقضي ديماس اللص أبديته الآن حاصداً ثمار كل تلك الإختيارات الطالحة؟ لا، بل على العكس تماماً. فهو يتمتع الآن بثمرة اختيار صائب واحد. فقد افتدى اختيار سليم واحد كل تلك الإختيارات الطائشة السابقة.
نحن أيضاً بالتأكيد اخترنا اختيارات خاطئة في حاتنا. لم أختر الأصدقاء المناسبين أو العمل المناسب، أو حتى شريك الحياة المناسب.
فهناك من يسرح مع ماضيه متمتماً: لو فقط. لو فقط يمكنني تعويض كل تلك الإختيارات السيئة. نعم يمكنك تعويضها. فاختيار واحد راجح لأبديتك يوازن آلاف الاختيارات الفاشلة على الأرض.
الاختيار لك.
أين لأخين – من نفس التربية والأهل والظروف – أن يتباينا هكذا؟ فيختار أحدهما الحياة الآخر الموت؟ لا أعلم، ولكنه حدث – ولا زال.
أني لرجلين أن يريا يسوع عينه، فيختار أحدهما أن يهزأ به والآخر أن يتضرع له؟
لا أعلم، ولكنه حدث – ولا زال.
ولما صلى أحدهما، أحبه يسوع حتى خلصه.
وحين استهزأ الآخر، أحبه يسوع حتى سمح له.
سمح له بالاختيار.

وهكذا معك.



بقلم: ماكس لوكيدو
تعريب: افرايم القس بنيامين مرجان