الخميس، 2 فبراير 2012

ليس موت لعبيدك بل هو انتقال: "الموت والحياة الاخرى" من منظور مسيحي


ليست هذه الرسالة مرثية او نعياً، انما هي وليدة خبرة حقيقية، خبرة رحيل مفاجئ لاحباء ومعارف في ريعان الشباب. هي محاولة جاهدة للبحث عن معانٍ اعمق وراء تلك الوفيات وشبيهاتها. لا اقدم نظرة شخصية وتأملات وجدانية نفسية، انما اجابات كتابية لأسئلة دارت بمخيلتي. ليست هذه الرسالة تفسيراً لتلك الوفيات، ولا هي كعبارات محفوظة نرددها مثل "هذه ارادة الله" و"هم في مكان افضل"... انما هي نظرة باحثة جدية الى ما يقدمه الايمان المسيحي فيما يتعلق بالانتقال والحياة بعده.


+++


لا يعرف الايمان المسيحي "الموت" بالمفهوم الذي يتفق عليه بقية العالم. فتقول اوشية الراقدين (حسب طقس الكنيسة القبطية الارثوذوكسية): لا يكونُ موتٌ لعبيدكَ بل هو انتقال. اذاً ليست مفارقة الروح للجسد نهاية، بل هي انتقال من حالة لأخرى، ومن نطاق لآخر. اما الموت والحياة في الاصطلاح المسيحي، فلهما مدلولان مختلفان تماماً عن مدلول العالم لهما.


الحياة والموت في اصطلاح الايمان المسيحي


قلما يتحدث الايمان المسيحي عن الحياة كتلك الحالة البيولوجية التي تبدأ بالولادة وتنتهي بتوقف وظائف القلب وانخماد النشاط الكهربي للمخ – تلك التي نشترك فيها مع المخلوقات غير العاقلة.
  • الحياة، في مفهومها الكتابي، هي شخص الهنا المسيح له المجد، اذ قال: أَنَا هُوَ الْقِيَامَةُ وَالْحَيَاةُ (يوحنا 25:11).
  •  كذلك الموت، هو انفصال الطبيعة البشرية عن مصدر حياتها، عن الله خالقها، باختيار محاولة الحياة دونه، فيصير البشر أَمْوَاتًا بِالذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا (افسس 1:2)؛ حيث ان الْخَطِيَّةَ إِذَا كَمَلَتْ تُنْتِجُ مَوْتًا (يعقوب 15:1).




فقط باتحاد المسيح بطبيعتنا البشرية في التجسد الالهي، عادت الطبيعة البشرية الى حالتها الأصلية التي ارادها لها التدبير الالهي منذ بدء الوجود:


مُبَارَكٌ اللهُ أَبُو رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي بَارَكَنَا بِكُلِّ بَرَكَةٍ رُوحِيَّةٍ فِي السَّمَاوِيَّاتِ فِي الْمَسِيحِ، كَمَا اخْتَارَنَا فِيهِ قَبْلَ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ، لِنَكُونَ قِدِّيسِينَ وَبِلاَ لَوْمٍ قُدَّامَهُ فِي الْمَحَبَّةِ، إِذْ سَبَقَ فَعَيَّنَنَا لِلتَّبَنِّي بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ لِنَفْسِهِ، حَسَبَ مَسَرَّةِ مَشِيئَتِهِ. الَّذِي فِيهِ أَيْضًا نِلْنَا نَصِيبًا، مُعَيَّنِينَ سَابِقًا حَسَبَ قَصْدِ الَّذِي يَعْمَلُ كُلَّ شَيْءٍ حَسَبَ رَأْيِ مَشِيئَتِهِ.
(افسس 3:1-11)


فالمسيح قد صَنَعَ بِنَفْسِهِ تَطْهِيرًا لِخَطَايَانَا (عبرانيين 3:1)، إِذًا إِنْ كَانَ أَحَدٌ فِي الْمَسِيحِ فَهُوَ خَلِيقَةٌ جَدِيدَةٌ. إِنَّ اللهَ كَانَ فِي الْمَسِيحِ مُصَالِحًا الْعَالَمَ لِنَفْسِهِ، غَيْرَ حَاسِبٍ لَهُمْ خَطَايَاهُمْ، وَوَاضِعًا فِينَا كَلِمَةَ الْمُصَالَحَةِ. ‏لأَنَّهُ جَعَلَ الَّذِي لَمْ يَعْرِفْ خَطِيَّةً، خَطِيَّةً لأَجْلِنَا، لِنَصِيرَ نَحْنُ بِرَّ اللهِ فِيهِ (2 كورنثوس 17:5-21).


وهو المعنى الذي تذهب اليه ايضاً ثيؤوطوكية الجمعة:


اخذ الذي لنا، واعطانا الذي له.


من جديد تحقق في الانسان قول مُرَنِم المزامير: بِمَجْدٍ وَبَهَاءٍ تُكَلِّلُهُ (مزمور 5:8)، وعادت السماء تقول عن الطبيعة البشرية المحمولة في شخص المسيح: هذَا هُوَ ابْني الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ (متى 17:4)!


فمنذ اتحاد المسيح بطبيعتنا، صار هو مدخلنا لمعرفة الآب من جديد، كما كشف لنا رب المجد: أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ. لَيْسَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَى الآبِ إِلاَّ بِي (يوحنا 6:14)، فاتيحت لنا الحياة الابدية؛ وَهذِهِ هِيَ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ: أَنْ يَعْرِفُوكَ أَنْتَ الإِلهَ الْحَقِيقِيَّ وَحْدَكَ وَيَسُوعَ الْمَسِيحَ الَّذِي أَرْسَلْتَهُ (يوحنا 3:17). ولأن اتحاد المسيح بنا (أَنَا فِي أَبِي، وَأَنْتُمْ فِيَّ، وَأَنَا فِيكُمْ (يوحنا 20:14)) غير مفترق لحظة واحدة ولا طرفة عين (الاعتراف – القداس الباسيلي)، نثق في داوم وثبات واستمرار وعد المسيح بالحياة التي اتاحها لنا: إِنِّي أَنَا حَيٌّ فَأَنْتُمْ سَتَحْيَوْنَ (يوحنا 19:14)، فنصلي في الافخاريستيا: فلتحيا نفوسنا بروحك القدوس ولا يقوى علينا نحن عبيدك موت الخطية (اوشية السلام – القداس الباسيلي). ولأننا في المسيح، وهو حجر زاوية رجائنا بل كياننا، كانت كلمات الرسول بولس عن شخص المسيح رسالة طمأنة وتثبيت لنا نحن، حين كتب: عَالِمِينَ أَنَّ الْمَسِيحَ بَعْدَمَا أُقِيمَ مِنَ الأَمْوَاتِ لاَ يَمُوتُ أَيْضًا. لاَ يَسُودُ عَلَيْهِ الْمَوْتُ بَعْدُ (رومية 9:6).


ولأن الحياة الأبدية هي معرفة الله، ومعرفة الله هي خبرة متجددة نامية دوماً، كما وصف المسيح: عَرَّفْتُهُمُ اسْمَكَ (ايها الآب) وَسَأُعَرِّفُهُمْ (يوحنا 25:17-26)، فالحياة الأبدية تبدأ هنا، من لحظة اول معرفة لي بالمسيح، وتستمر طوال حياتي على الأرض، حسبما يكشف لي المسيح بعمل روحه القدوس: أَمَّا الْمُعَزِّي، الرُّوحُ الْقُدُسُ، الَّذِي سَيُرْسِلُهُ الآبُ بِاسْمِي، فَهُوَ يُعَلِّمُكُمْ كُلَّ شَيْءٍ، وَيُذَكِّرُكُمْ بِكُلِّ مَا قُلْتُهُ لَكُمْ. ‏وَأَمَّا رُوحُ الْحَقِّ، فَهُوَ يُرْشِدُكُمْ إِلَى جَمِيعِ الْحَقِّ. ذَاكَ يُمَجِّدُنِي، لأَنَّهُ يَأْخُذُ مِمَّا لِي وَيُخْبِرُكُمْ. كُلُّ مَا لِلآبِ هُوَ لِي. لِهذَا قُلْتُ إِنَّهُ يَأْخُذُ مِمَّا لِي وَيُخْبِرُكُمْ (يوحنا 26:14 و13:16-15).


كل ما سبق اجمله رب المجد قائلاً: اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَنْ يَسْمَعُ كَلاَمِي وَيُؤْمِنُ بِالَّذِي أَرْسَلَنِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَلاَ يَأْتِي إِلَى دَيْنُونَةٍ، بَلْ قَدِ انْتَقَلَ مِنَ الْمَوْتِ إِلَى الْحَيَاةِ. اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ تَأْتِي سَاعَةٌ وَهِيَ الآنَ، حِينَ يَسْمَعُ الأَمْوَاتُ صَوْتَ ابْنِ اللهِ، وَالسَّامِعُونَ يَحْيَوْنَ (يوحنا 24:5-25).


ولننتبه الى ان ملكوت الله الذي نطلبه (اطْلُبُوا أَوَّلاً مَلَكُوتَ اللهِ (متى 33:6)) ليس جنةً مستقبلية نتنعم فيها، لأَنْ لَيْسَ مَلَكُوتُ اللهِ أَكْلاً وَشُرْبًا، بَلْ هُوَ بِرٌّ وَسَلاَمٌ وَفَرَحٌ فِي الرُّوحِ الْقُدُسِ (رومية 17:14)؛ فقد اعلن المسيح: هَا مَلَكُوتُ اللهِ دَاخِلَكُمْ (لوقا 21:17)، بسكنى الروح القدس فينا. وحياتنا على الارض هي الفرصة الممنوحة لنا لنستثمرها في التحول قدر ما يتيح لنا الخضوع لعمل الروح الى ما يليق بذلك الملكوت: وَنَحْنُ جَمِيعًا نَاظِرِينَ مَجْدَ الرَّبِّ بِوَجْهٍ مَكْشُوفٍ، كَمَا في مِرْآةٍ، نَتَغَيَّرُ إِلَى تِلْكَ الصُّورَةِ عَيْنِهَا، مِنْ مَجْدٍ إِلَى مَجْدٍ، كَمَا مِنَ الرَّبِّ الرُّوحِ (2 كورنثوس 18:3).


ثم يتم تغييرنا الى كمال صورة مجد المسيح عند مجيئه الثاني. ‏أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، الآنَ نَحْنُ أَوْلاَدُ اللهِ، وَلَمْ يُظْهَرْ بَعْدُ مَاذَا سَنَكُونُ. وَلكِنْ نَعْلَمُ أَنَّهُ إِذَا أُظْهِرَ نَكُونُ مِثْلَهُ، لأَنَّنَا سَنَرَاهُ كَمَا هُوَ (1 يوحنا 2:3).


وهنا بيت القصيد. فحتى نرى الله كما هو، في كامل مجده، نحتاج ان نكون مثله. كيف لاجسادنا الترابية هذه ان تواجه شمس البر؟!


بطرس التلميذ حين رأى لمحة من مجد المسيح في التجلي، كاد يفقد صوابه من رهبة ما رأى، حتى انه لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ مَا يَتَكَلَّمُ بِهِ إِذْ كَانُوا مُرْتَعِبِينَ (هو و يعقوب ويوحنا) (مرقس 6:9). وبولس الرسول بجلال قدره، لم يقدر ان يصف ما رآه من مجد الفردوس حين اختُطِفَ الى السماء سوى انه سَمِعَ كَلِمَاتٍ لاَ يُنْطَقُ بِهَا، وَلاَ يَسُوغُ لإِنْسَانٍ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهَا (2 كورنثوس 4:12). وموسى، بعد أن استلم الشريعة من الله على جبل سيناء، حدث ان جِلْدَ وَجْهِهِ صَارَ يَلْمَعُ فِي كَلاَمِهِ مَعَ (الله). فَنَظَرَ هَارُونُ وَجَمِيعُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مُوسَى وَإِذَا جِلْدُ وَجْهِهِ يَلْمَعُ، فَخَافُوا أَنْ يَقْتَرِبُوا إِلَيْهِ. وَجَعَلَ (موسى) عَلَى وَجْهِهِ بُرْقُعًا.‏ وَكَانَ مُوسَى عِنْدَ دُخُولِهِ أَمَامَ الرَّبِّ لِيَتَكَلَّمَ مَعَهُ يَنْزِعُ الْبُرْقُعَ حَتَّى يَخْرُجَ، ثُمَّ يَخْرُجُ وَيُكَلِّمُ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا يُوصَى.‏ فَإِذَا رَأَى بَنُو إِسْرَائِيلَ وَجْهَ مُوسَى أَنَّ جِلْدَهُ يَلْمَعُ كَانَ مُوسَى يَرُدُّ الْبُرْقُعَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى يَدْخُلَ لِيَتَكَلَّمَ مَعَهُ (خروج 29:34-35)!


مجد السماويات شئ، ومجد الأرضيات آخر


اذاً، حتى نعرف الله تمام المعرفة، ونشترك معه في كمال مجده، ينبغي ان نتحرر من هذه الطبيعة البشرية الضعيفة محدودة الامكانات، والتي تتهرأ وتذبل وتشيخ بمرور الاعوام. وما الوفاة الا موضع خلع الجسد الانساني استعداداً لجسم من نوع وطبيعة سرمدية. 

ولنسمع بولس الرسول يشرح لنا في رسالته الاولي الى كنيسة كورنثوس 35:15-54:


الَّذِي تَزْرَعُهُ لاَ يُحْيَا إِنْ لَمْ يَمُتْ. وَالَّذِي تَزْرَعُهُ، لَسْتَ تَزْرَعُ الْجِسْمَ الَّذِي سَوْفَ يَصِيرُ، بَلْ حَبَّةً مُجَرَّدَةً.
لَيْسَ كُلُّ جَسَدٍ جَسَدًا وَاحِدًا، بَلْ لِلنَّاسِ جَسَدٌ وَاحِدٌ، وَلِلْبَهَائِمِ جَسَدٌ آخَرُ، وَلِلسَّمَكِ آخَرُ، وَلِلطَّيْرِ آخَرُ. وَأَجْسَامٌ سَمَاوِيَّةٌ، وَأَجْسَامٌ أَرْضِيَّةٌ. لكِنَّ مَجْدَ السَّمَاوِيَّاتِ شَيْءٌ، وَمَجْدَ الأَرْضِيَّاتِ آخَرُ.‏
هكَذَا أَيْضًا قِيَامَةُ الأَمْوَاتِ: يُزْرَعُ فِي فَسَادٍ وَيُقَامُ فِي عَدَمِ فَسَادٍ. يُزْرَعُ فِي هَوَانٍ وَيُقَامُ فِي مَجْدٍ. يُزْرَعُ فِي ضَعْفٍ وَيُقَامُ فِي قُوَّةٍ. يُزْرَعُ جِسْمًا حَيَوَانِيًّا وَيُقَامُ جِسْمًا رُوحَانِيًّا. يُوجَدُ جِسْمٌ حَيَوَانِيٌّ، الجسم الذي نعيش به على هذه الارض، ويتشابه في انسجته وخلايا مكوناته مع اجسام كافة الحيوانات، وَيُوجَدُ جِسْمٌ رُوحَانِيٌّ، سنُلبَسه في المجئ الثاني، وبه نختبر ملء مجد بنوتنا لله، الذي لن يسعه الابدية!
هكَذَا مَكْتُوبٌ أَيْضًا:"صَارَ آدَمُ، الإِنْسَانُ الأَوَّلُ، نَفْسًا حَيَّةً، وَآدَمُ الأَخِيرُ رُوحًا مُحْيِيًا".‏ لكِنْ لَيْسَ الرُّوحَانِيُّ أَوَّلاً بَلِ الْحَيَوَانِيُّ، وَبَعْدَ ذلِكَ الرُّوحَانِيُّ.‏ الإِنْسَانُ الأَوَّلُ مِنَ الأَرْضِ تُرَابِيٌّ. الإِنْسَانُ الثَّانِي الرَّبُّ مِنَ السَّمَاءِ. كَمَا هُوَ التُّرَابِيُّ هكَذَا التُّرَابِيُّونَ أَيْضًا، وَكَمَا هُوَ السَّمَاوِيُّ هكَذَا السَّمَاوِيُّونَ أَيْضًا.‏ وَكَمَا لَبِسْنَا صُورَةَ التُّرَابِيِّ، سَنَلْبَسُ أَيْضًا صُورَةَ السَّمَاوِيِّ.
فَأَقُولُ هذَا أَيُّهَا الإِخْوَةُ: إِنَّ لَحْمًا وَدَمًا لاَ يَقْدِرَانِ أَنْ يَرِثَا مَلَكُوتَ اللهِ، وَلاَ يَرِثُ الْفَسَادُ عَدَمَ الْفَسَادِ.
لاَ نَرْقُدُ كُلُّنَا، وَلكِنَّنَا كُلَّنَا نَتَغَيَّرُ، فِي لَحْظَةٍ فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ، عِنْدَ الْبُوقِ الأَخِيرِ. فبالتأكيد سيكون هناك بشر على قيد الحياة حين يأتي المسيح في مجده يوم الدين. هؤلاء لن "يتنيحوا"، لكنهم بالضرورة سيتغيرون من هذا الجسد الترابي الى الجسم السماوي.
لأَنَّ هذَا الْفَاسِدَ لاَبُدَّ أَنْ يَلْبَسَ عَدَمَ فَسَادٍ، وَهذَا الْمَائِتَ يَلْبَسُ عَدَمَ مَوْتٍ.‏ وَمَتَى لَبِسَ هذَا الْفَاسِدُ عَدَمَ فَسَادٍ، وَلَبِسَ هذَا الْمَائِتُ عَدَمَ مَوْتٍ، فَحِينَئِذٍ تَصِيرُ الْكَلِمَةُ الْمَكْتُوبَةُ:"ابْتُلِعَ الْمَوْتُ إِلَى غَلَبَةٍ" ويكون بهذا انتهاء الموت بكل مستوياته واشكاله. فبعد ان غلب المسيح موت الانفصال عن الله، في اليوم الاخير ينتهي موت مفارقة الروح للجسد.


وهكذا وضَّح بولس الرسول في موضع آخر: آخِرُ عَدُوٍّ يُبْطَلُ هُوَ الْمَوْتُ (1 كورنثوس 20:15-26)، وايضاً يوحنا في رؤياه: وَطُرِحَ الْمَوْتُ فِي بُحَيْرَةِ النَّارِ (رؤيا 14:20).


اجمالاً


اذاً، يعيش الانسان المسيحي في غنى نعمة تدبير الفداء، واثقاً في عمل المسيح التبريري والتجديدي بتجسده وموته وقيامته وصعوده، نامياً في معرفة الله يومياً، متحولاً تدريجياً الى صورة المسيح بالخضوع الارادي المستمر والمتجدد لعمل الروح القدس، موقناً ان حياته على هذه الارض في هذا الجسد هي فرصته ليأخذ لنفسه نصيباً شخصياً مما تممه المسيح في شخصه القدوس، فيتحول الى مجد المسيح، مترقباً اليوم الذي سَيُغَيِّرُ فيه الرب يسوع المسيح شَكْلَ جَسَدِ تَوَاضُعِنَا لِيَكُونَ عَلَى صُورَةِ جَسَدِ مَجْدِهِ، بِحَسَبِ عَمَلِ اسْتِطَاعَتِهِ أَنْ يُخْضِعَ لِنَفْسِهِ كُلَّ شَيْءٍ (فيلبي 20:3-21).


وانطلاقاً مما سبق، يتحرر الانسان المسيحي من الانشغال بالارضيات والزمنيات والفانيات، او بالاحرى، يتغير هدفه من كل ما تمتد اليه يداه. فلا يكون عمله او دراسته او التزامه او اجتهاده ابتغاء مرضاة رؤساء او زملاء، او سعياً وراء تكريم او عرفان او تقدير، انما عملاً بكلام الحق: فَافْعَلُوا كُلَّ شَيْءٍ لِمَجْدِ اللهِ (1 كورنثوس 31:10). الانسان المسيحي يدرك أنه: مَا هِيَ حَيَاتُكُمْ (على الارض)؟ إِنَّهَا بُخَارٌ، يَظْهَرُ قَلِيلاً ثُمَّ يَضْمَحِلُّ (يعقوب 14:4)، وأن هَيْئَةَ هذَا الْعَالَمِ تَزُولُ (1 كورنثوس 31:7)؛ وَلكِنَّنَا بِحَسَبِ وَعْدِ (الله) نَنْتَظِرُ سَمَاوَاتٍ جَدِيدَةً، وَأَرْضًا جَدِيدَةً، يَسْكُنُ فِيهَا الْبِرُّ (2 بطرس 12:3-13).


يعلم الانسان المسيحي ان حياته في الجسد على الارض هذه انما هي سكن مؤقت، استعداداً وتهيئاً للحياة في صورتها الحقيقية والكاملة في اورشليم السمائية (من هنا ايضاً استهانة المسيحي بالموت عند الاستشهاد على اسم المسيح):


لأَنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّهُ إِنْ نُقِضَ (هُدِمَ) بَيْتُ خَيْمَتِنَا الأَرْضِيُّ (جسدنا)، فَلَنَا فِي السَّمَاوَاتِ بِنَاءٌ مِنَ اللهِ، بَيْتٌ غَيْرُ مَصْنُوعٍ بِيَدٍ، أَبَدِيٌّ. فَإِنَّنَا فِي هذِهِ أَيْضًا نَئِنُّ مُشْتَاقِينَ إِلَى أَنْ نَلْبَسَ فَوْقَهَا مَسْكَنَنَا الَّذِي مِنَ السَّمَاءِ. وَإِنْ كُنَّا لاَبِسِينَ لاَ نُوجَدُ عُرَاةً. فَإِنَّنَا نَحْنُ الَّذِينَ فِي الْخَيْمَةِ (الجسد) نَئِنُّ مُثْقَلِينَ، إِذْ لَسْنَا نُرِيدُ أَنْ نَخْلَعَهَا بَلْ أَنْ نَلْبَسَ فَوْقَهَا (لسنا كارهين للحياة على الارض، انما نعرف اولوياتنا جيداً، مميزين الباقي عن الفاني)، لِكَيْ يُبْتَلَعَ الْمَائِتُ (الجسد الارضي) مِنَ الْحَيَاةِ.‏ وَلكِنَّ الَّذِي صَنَعَنَا لِهذَا عَيْنِهِ هُوَ اللهُ (لنا رسالة من الله في هذا الجسد!)، الَّذِي أَعْطَانَا أَيْضًا عَرْبُونَ الرُّوحِ (روحه الساكن فينا ليبتدئ لنا الحياة الابدية بمعرفة الله هنا على الارض، هو العربون الذي يذيقنا قدراً بسيطاً من الحياة معه في السماء!).
(2 كورنثوس 1:5-5)


وليس ايماننا هذا تجاهلاً للوجع الحقيقي الذي يمزق دواخلنا عند مفارقة احبائنا بالجسد. وليس حزن الانسان المسيحي لرحيل عزيز عليه ضعفاً في الايمان. فالمسيح نفسه بكى عند قبر لعازر (يوحنا 35:11)! وبعد ان سلَّم بولس الرسول الرعية لقسوس الكنيسة، مودعاً اياهم قبل رحيله الاخير الى روما، كَانَ بُكَاءٌ عَظِيمٌ مِنَ الْجَمِيعِ، وَوَقَعُوا عَلَى عُنُقِ بُولُسَ يُقَبِّلُونَهُ‏ مُتَوَجِّعِينَ، وَلاَ سِيَّمَا مِنَ الْكَلِمَةِ الَّتِي قَالَهَا: إِنَّهُمْ لَنْ يَرَوْا وَجْهَهُ أَيْضًا (اعمال 37:20-38). فالحزن رد فعل طبيعي وصحي خلقه الله فينا. لذا، لا ينهانا الكتاب المقدس اطلاقاً عن الحزن على فراق احبائنا، انما عن الحزن كَالْبَاقِينَ الَّذِينَ لاَ رَجَاءَ لَهُمْ. لأَنَّهُ إِنْ كُنَّا نُؤْمِنُ أَنَّ يَسُوعَ مَاتَ وَقَامَ، فَكَذلِكَ الرَّاقِدُونَ بِيَسُوعَ، سَيُحْضِرُهُمُ اللهُ أَيْضًا مَعَهُ. فَإِنَّنَا نَقُولُ لَكُمْ هذَا بِكَلِمَةِ الرَّبِّ: إِنَّنَا نَحْنُ الأَحْيَاءَ الْبَاقِينَ إِلَى مَجِيءِ الرَّبِّ، لاَ نَسْبِقُ الرَّاقِدِينَ.‏ لأَنَّ الرَّبّ نَفْسَهُ بِهُتَافٍ، بِصَوْتِ رَئِيسِ مَلاَئِكَةٍ وَبُوقِ اللهِ، سَوْفَ يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَمْوَاتُ فِي الْمَسِيحِ سَيَقُومُونَ أَوَّلاً. ثُمَّ نَحْنُ الأَحْيَاءَ الْبَاقِينَ سَنُخْطَفُ جَمِيعًا مَعَهُمْ فِي السُّحُبِ لِمُلاَقَاةِ الرَّبِّ فِي الْهَوَاءِ، وهكَذَا نَكُونُ كُلَّ حِينٍ مَعَ الرَّبِّ.‏ لِذلِكَ عَزُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا بِهذَا الْكَلاَمِ (1 تسالونيكي 13:4-18)!


وفي النهاية، الحزن نفسه هو بالضرورة من متعلقات الجسد الارضي هذا، لذا يقول الكتاب على لسان الرائي عن اهل المدينة المقدسة اورشليم الجديدة: وَسَيَمْسَحُ اللهُ كُلَّ دَمْعَةٍ مِنْ عُيُونِهِمْ، وَالْمَوْتُ لاَ يَكُونُ فِي مَا بَعْدُ، وَلاَ يَكُونُ حُزْنٌ وَلاَ صُرَاخٌ وَلاَ وَجَعٌ فِي مَا بَعْدُ، لأَنَّ الأُمُورَ الأُولَى قَدْ مَضَتْ (رؤيا 4:21).


اخيراً
  • خارج المسيح، يبقى الموت عدواً مجهولاً، ليس للبشر الضعفاء مفر منه، وهو بداية اهوال وضيقات. اما في المسيح وبعمل روحه القدوس، ندخل الى الحياة الحقة التي هي معرفة الله، ونعلم ان الانتقال من هذا الجسد هو "غرفة تغيير الملابس" الى الحالة النورانية كَمَلاَئِكَةِ اللهِ فِي السَّمَاءِ (متى 31:22) التي نقدر فيها ان نعرف ما هو العرض والطول والعمق والعلو لمحبة المسيح الفائقة المعرفة، لكي نمتلئ إلى كل ملء الله (افسس 18:3-19)؛ فَإِنَّنَا نَنْظُرُ الآنَ فِي مِرْآةٍ، فِي لُغْزٍ، لكِنْ حِينَئِذٍ وَجْهًا لِوَجْهٍ. الآنَ أَعْرِفُ بَعْضَ الْمَعْرِفَةِ، لكِنْ حِينَئِذٍ سَأَعْرِفُ كَمَا عُرِفْتُ (1 كورنثوس 12:13)!
  • خارج المسيح، يرهب الانسان الموت ويستعيذ من عذابات القبر. اما في المسيح الحي، يهتف الانسان: لأَنَّ لِيَ الْحَيَاةَ هِيَ الْمَسِيحُ وَالْمَوْتُ هُوَ رِبْحٌ. لِيَ اشْتِهَاءٌ أَنْ أَنْطَلِقَ وَأَكُونَ مَعَ الْمَسِيحِ، ذَاكَ أَفْضَلُ جِدًّا (فيلبي 21:1، 23). فَمَا أَحْيَاهُ الآنَ فِي الْجَسَدِ، فَإِنَّمَا أَحْيَاهُ فِي الإِيمَانِ، إِيمَانِ ابْنِ اللهِ، الَّذِي أَحَبَّنِي وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِي (غلاطية 20:2)! فالمسيح قد جاء لِكَيْ يُبِيدَ بِالْمَوْتِ ذَاكَ الَّذِي لَهُ سُلْطَانُ الْمَوْتِ، أَيْ إِبْلِيسَ، وَيُعْتِقَ أُولئِكَ الَّذِينَ­ خَوْفًا مِنَ الْمَوْتِ­ كَانُوا جَمِيعًا كُلَّ حَيَاتِهِمْ تَحْتَ الْعُبُودِيَّةِ (عبرانيين 14:2-15)!
  • بدون المسيح، كان الانتقال من هذا الجسد نهاية كل شئ، لا امل بعده. فالنفس البشرية في فساد انفصالها عن الله، ولا سبيل لها الى العودة اليه، بعد ان اختارت بارادتها الانعزال عنه، ثم تجرعت كأس مرارة ذلك الاختيار! كان الموت هو العَرَض الاخير والنهائي لمرض الخطية! فكان المرنم في المزمور ناطقاً بلسان حال كل مَن ينظر الى مفارقة الروح للجسد خارج اطار المسيح: يَمْخَضُ قَلْبِي فِي دَاخِلِي، وَأَهْوَالُ الْمَوْتِ سَقَطَتْ عَلَيَّ. خَوْفٌ وَرَعْدَةٌ أَتَيَا عَلَيَّ، وَغَشِيَنِي رُعْبٌ (مزامير 4:55-5)!



اما في المسيح يسوع الهنا، الذي جدد طبيعتنا ورفع عنها فساد الخطية بتجسده وتأنسه، وغلب الموت فقام منه بالجسد، جسد بشريتنا، لم يعد الموت هو النتيجة المترتبة على نخر الخطية في كياننا، بل هو خلع المسكن الوقتي (2 بطرس 13:1-15) استعداداً للمسكن السمائي الابدي في مجد الغالبين والمنتصرين، راسخين غير متزعزعين. الآن في المسيح، ننظر الى الموت ونهتف: أَيْنَ شَوْكَتُكَ يَا مَوْتُ؟ أَيْنَ غَلَبَتُكِ يَا هَاوِيَةُ؟ وَلكِنْ شُكْرًا ِللهِ الَّذِي يُعْطِينَا الْغَلَبَةَ بِرَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ (1 كورنثوس 55:15-57)!


نقولها، واضعين رجاءنا في الهنا الحي، الذي ثبَّتنا نحن الاغصان فيه الكرمة الحقيقية (يوحنا 5:15)، موقنين ان حال الاغصان هو من حال الكرمة، الذي يعلن لكل واحد منا:   


لاَ تَخَفْ، أَنَا هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ، والْحَيُّ. وكُنْتُ مَيْتًا، وَهَا أَنَا حَيٌّ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ!
(رؤيا 18:1)


+++


وَتَعْرِفُونَ الْحَقَّ، وَالْحَقُّ يُحَرِّرُكُمْ.
(يوحنا 32:8)






ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق